يوسف بصور
خلف العشب الأخضر الساحر للملاعب المغربية التي تحتضن منافسات كأس الأمم الإفريقية 2025، تكمن شبكة هندسية معقدة ومتطورة أثبتت جدارتها في مواجهة أقسى الظروف الجوية. فخلال التساقطات المطرية الغزيرة التي شهدتها مدن مثل طنجة والرباط وفاس وأكادير مؤخرا، حافظت أرضيات الملاعب على جودتها وانسيابية اللعب، بفضل أنظمة تصريف “تحت سطحية” تعمل بكفاءة قياسية.
الفبركة والواقع
تزامنا مع الأجواء الحماسية التي تشهدها المملكة المغربية بمناسبة احتضان نهائيات كأس أمم إفريقيا 2025، اجتاحت منصات التواصل الاجتماعي موجة من الفيديوهات والمقاطع المصورة التي تدعي “غرق” أرضيات الملاعب الكبرى، وتحديدا ملعب الأمير مولاي عبد الله بالرباط وملعب طنجة الكبير، جراء التساقطات المطرية الأخيرة.
وأظهرت التحليلات التقنية أن المقاطع المتداولة تم إنتاجها باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي، حيث تم دمج صور حقيقية للملاعب المغربية مع مؤثرات بصرية متطورة لمحاكاة تدفق المياه وتضرر العشب. ويظهر التدقيق في التفاصيل، مثل حواف الميدان وحركة الظلال، عدم اتساقها مع القوانين الفيزيائية للواقع، مما يؤكد أنها “مفبركة”.
على أرض الواقع، وخلال المباريات التي جرت في الأيام القليلة الماضية، أثبتت البنية التحتية في الملاعب المغربية كفاءة عالية كذبت فبركات “الغباء” الاصطناعي. فرغم التساقطات المطرية الغزيرة التي شهدتها عدة مدن تحتضن منافسات الكأس الإفريقية، استمرت المباريات دون توقف أو تضرر للأرضيات المعشوشبة.
في مواجهة الفيديوهات المفبركة والمراسلات المغرضة لصحافيين من الجزائر وتونس خرجت الحقيقة من أفواه مدربي منتخبات إفريقية أبدو إعجابهم بأرضيات الملاعب المغربية وصمودها المذهل في وجه الأمطار العاصفية والغزيرة. سامي الطرابلسي مدرب المنتخب التونسي قال في هذا الإطار على سبيل المثال لا الحصر: “رغم كمية الأمطار الكبيرة التي هطلت قبل مباراتنا ضد أوغندا، إلا أن أرضية الملعب الأولمبي كانت ممتازة للغاية وساعدتنا على تقديم الأداء الذي كنا نخطط له. هذا يدل على احترافية كبيرة في صيانة وتجهيز الملاعب”.
السر المغربي!
من في قلوبهم مرض كانوا ينتظرون ملاعب تغرق ومباريات تتوقف و”كراطات” تتدخل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه حتى يتسنى لهم الطعن في النجاح الباهر والتنظيم المغربي الاحترافي لكن أملهم خاب، فما سر هذا الصمود الباهر لأرضيات ملاعب أنجزتها كفاءات وشركات مغربية؟
هذا الصمود اللافت لم يكن وليد الحظ، بل ثمرة منظومة تقنية متكاملة بدأت قبل سنوات، وتوجت بإصلاحات دقيقة واستعدادات محكمة قبل انطلاق البطولة القارية، حيث خضعت ملاعب الرباط، والدار البيضاء، وطنجة، ومراكش، وأكادير وفاس إلى عمليات تجديد دقيقة، شملت إعادة زرع العشب كليا أو جزئيا، وتحديث أنظمة الري والصرف، واختبار الأرضيات تحت ظروف مناخية قاسية تحاكي أسوأ السيناريوهات المحتملة.
عشب هجين
تم تزويد الملاعب المغربية بعشب هجين، وهو أحد أحدث الحلول التقنية المعتمدة في الملاعب الحديثة، ويعد مزيجا متطورا يجمع بين العشب الطبيعي وألياف صناعية دقيقة تغرس داخل التربة بنسب مدروسة. هذا الدمج يمنح أرضية الملعب خصائص تقنية متقدمة تفوق العشب الطبيعي التقليدي.
من حيث البنية، يتم إدخال ألياف صناعية رأسية داخل طبقات التربة، ما يسمح لجذور العشب الطبيعي بالتشابك معها، فينتج سطح أكثر تماسكا وثباتا، وقادرا على مقاومة الضغط الكبير الناتج عن توالي المباريات والأحوال الجوية القاسية، خاصة الأمطار الغزيرة.
ويتميز العشب الهجين بقدرة عالية على تصريف المياه ومنع تشبع الأرضية، إضافة إلى سرعة تعافيه بعد الاستعمال المكثف، ما يقلل من تدهور جودة الملعب ويحافظ على انسيابية اللعب. كما يحد من الانزلاقات والإصابات، ويوفر ارتدادا منتظما للكرة، وهو عنصر أساسي في المنافسات الكبرى.
لهذه الأسباب، أصبح العشب الهجين خيارا مفضلا لدى الفيفا والكاف، واعتمدته العديد من الملاعب المغربية في إطار تحديث بنيتها التحتية، استعدادا لاستضافة التظاهرات القارية والدولية، وعلى رأسها كأس أمم إفريقيا 2025.
هندسة الطبقات
لا تقتصر جودة الملاعب المغربية الحديثة على نوعية العشب فحسب، بل تبدأ القصة من الأمتار الأولى تحت السطح، حيث تعتمد هذه الملاعب على نظام “الطبقات الجيولوجية المركزة”.
تبدأ الرحلة بالعشب الهجين (Hybrid Grass) الذي يجمع بين أصالة العشب الطبيعي وقوة الألياف الاصطناعية، يليه طبقات الفلترة والتي تتكون من طبقات رملية وحصوية أسفل العشب، تسمح للمياه بالتغلغل السريع وتعمل كفلتر طبيعي لمنع الانسداد.
تحت طبقات الفلترة تم تركيب شبكة من الأنابيب المخرمة وهي أنابيب بلاستيكية مثقوبة وموزعة بعناية فائقة تحت كامل مساحة الملعب، ومغلفة بقماش خاص يسمى “جيوتكستايل” لتسهيل دخول المياه ومنع الأتربة.
كما تم أيضا تركيب نظام “تقنية الشفط” (SubAir)، ويعتبر هذا النظام المتطور، الأحدث من نوعه في إفريقيا، حيث يعتمد على محركات شفط قوية تسحب المياه بشكل آلي ونشط من منطقة الجذور بمعدلات هائلة.
آلية ذكية
لا تكتفي أنظمة تصريف المياه المعمول بها في الملاعب المغربية بالاعتماد على الجاذبية وحدها، بل تعمل بتقنية الشفط الفوري، حيث تتسرب مياه الأمطار عموديا عبر طبقات العشب والرمل والحصى، وتصل المياه إلى الأنابيب المخرمة، حيث يقوم نظام “SubAir” بتشغيل مضخات تسحب المياه الزائدة بسرعة قياسية يمكن أن تصل إلى آلاف اللترات في الدقيقة، مانعة تجمع البرك المائية.
ويتم توجيه المياه المجمعة إلى شبكة الصرف الرئيسية خارج الملعب بميول هندسية محسوبة بدقة، بالإضافة إلى ذلك، يمكن لنظام “SubAir” العمل بشكل عكسي لضخ الهواء إلى التربة، مما يساعد في تهوية الجذور والحفاظ على صحة العشب في جميع الأوقات. هذا التفوق التقني، الذي اعتمد في ملاعب عالمية مثل “أنفيلد” بليفربول، جعل الملاعب المغربية تنجح في اختبار الأمطار الغزيرة الأخير، مؤكدة جاهزيتها التامة لاستضافة كبرى البطولات القارية والعالمية.

صيانة صارمة
عكس الصيانة التقليدية المرتبطة بالمباريات فقط، تعتمد الملاعب المغربية برنامجا يوميا واستباقيا يشمل تهوية التربة، قص العشب بمقاييس مضبوطة، مراقبة نسبة الرطوبة، ومعالجة المناطق الحساسة قبل تدهورها.
وتعتمد الفرق المشرفة على صيانة الملاعب الكبرى في المغرب على بروتوكول صارم يضمن الحفاظ على جودة الأرضية التي تجمع بين العشب الطبيعي والألياف الصناعية، إذ بالإضافة إلى عملية التهوية والشفط تقص الأرضية يوميا على ارتفاع موحد باستخدام آليات دقيقة، ويتم تمشيط الألياف الصناعية لرفعها وضمان سطح مستو ومثالي للعب.
وتشمل عملية الصيانة أيضا استخدام أسمدة ومغذيات متخصصة تضمن النمو المتوازن للعشب والقوة، بعيدا عن الكيماويات الضارة، كما تُستخدم أجهزة إضاءة متطورة (LEDGrow Lights) في المناطق المظللة من الملعب، لضمان نمو متساو للعشب في كافة البقع.
بين الشتاء والصيف
سر آخر يقف خلف ديمومة اللون الأخضر والجودة العالية لعشب الملاعب المغربية وقدرتها على التكيف مع المناخ المتغير بين الصيف والشتاء، ويتعلق الأمر بزراعة البذور في فترة راحة العشب. فكيف تتم هذه العملية؟ حسب ما كشفه أحد الخبراء في هذا المجال لـ”الأحداث المغربية” تتم عملية زراعة البذور مرتين في السنة. ففي فصل ومع ارتفاع درجات الحرارة يتم الاعتماد الكلي على بذور عشب “البرمودا” أو ما يعرف محليا بـ”الثيل”. ويتميز هذا النوع من العشب بقدرته الفائقة على تحمل الحرارة الشديدة وأشعة الشمس المباشرة دون أن يجف أو يفقد لونه. أما خلال فصل الشتاء فيتم استعمال عشب “الراي جراس” والذي تتم زراعته قبيل دخول فصل الشتاء، إذ بمجرد انخفاض درجات الحرارة، يتم زرع بذور “الراي جراس” فوق عشب “البرمودا”. وينمو “الراي جراس” بسرعة في الأجواء الباردة والممطرة، ويمنح الملعب الكثافة والمتانة اللازمة لمواجهة قساوة الشتاء، بينما يكون عشب البرمودا في حالة “خمول مؤقت”.
رسالة قوية
في نهاية المطاف، لم يكن صمود الملاعب المغربية أمام العواصف المطرية مجرد “ضربة حظ”، بل هو برهان ساطع على نجاعة الرؤية الاستراتيجية التي انتهجتها المملكة في تطوير بنيتها التحتية الرياضية. إن هذا التفوق التقني لا يمنح اللاعبين “بساطا أخضر” مثاليا فحسب، بل يبعث برسالة طمأنة قوية إلى المنتظم الكروي الدولي، مفادها أن المغرب لا يستضيف البطولات الكبرى لمجرد الشغف، بل يمتلك الأدوات التكنولوجية والخبرات الميدانية التي تجعل من “كان 2025” ومونديال 2030 نسخا استثنائية لا تعترف بالأعطال الجوية.
اليوم، وبعد أن صمدت الأرضية أمام اختبار الطبيعة، باتت الطريق معبدة أمام “أسود الأطلس” وبقية منتخبات القارة السمراء للإبداع فوق ملاعب صممت لتكون الأفضل عالميا، ولتؤكد أن الريادة المغربية في هذا المجال باتت واقعا ملموسا يرى من فوق السطح.. ويدار باحترافية من تحته.