• بحضور المكتب الوطني للأعمال الجامعية الاجتماعية والثقافية.. جامعة محمد الخامس تكرم متطوعي المنتدى العالمي الخامس للسوسيولوجيا
  • بمشاركة عربية وإفريقية وأوروبية وآسيوية.. طنجة تحتضن الملتقى الدولي للأعمال
  • حين يصبح التدين رقميا… الخوارزميات تعيد تفسير المُقدّس والمُدنَّس
  • العيون تستقبل السفير الفرنسي الجديد.. الأقاليم الجنوبية في صلب التعاون المغربي الفرنسي
  • الطالبي العلمي: “برنامج الأحرار” يقدم حلولا عملية للقدرة الشرائية والتشغيل والخدمات العمومية بعد سنوات من الإنصات والتقييم
عاجل
الأربعاء 01 يوليو 2026 على الساعة 17:10

حين يصبح التدين رقميا… الخوارزميات تعيد تفسير المُقدّس والمُدنَّس

حين يصبح التدين رقميا… الخوارزميات تعيد تفسير المُقدّس والمُدنَّس

لم يعد التدين في العصر الرقمي مجرد ممارسة روحية مرتبطة بالمجال الخاص أو بالمؤسسات الدينية التقليدية، بل تحول إلى تجربة يومية معقدة تتداخل فيها الخوارزميات مع السلطة، والمنصات مع إنتاج المعنى، والتكنولوجيا مع إعادة تشكيل الهوية والانتماء.
هذه التحولات العميقة كانت في صلب النقاشات التي احتضنتها الندوة العلمية الدولية حول “التدين في الفضاء الرقمي”، التي نظمها مختبر مؤخرا «لوغوس» قطب الفلسفة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك في مدينة الدار البيضاء، بمشاركة باحثين وأكاديميين من تخصصات متعددة، سعوا، من خلال مقالات ومداخلات محكمة، إلى تفكيك أثر الرقمنة على علاقة الإنسان بالدين والمقدس والسلطة والمعرفة.

الإسلاموفوبيا الخوارزمية.. حين تصنع المنصات صورة “الآخر المسلم”

وقدمت الباحثة هبة شاكر، الصحفية بجريدة “لو ماتان” وطالبة الدكتوراه بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، قراءة نقدية لمفهوم “الإسلاموفوبيا الخوارزمية”، معتبرة أن تمثلات الإسلام داخل الإعلام الغربي لم تعد تُنتج فقط عبر الصحافة التقليدية، بل أصبحت خاضعة أيضا لمنطق التداول الخوارزمي الذي تتحكم فيه المنصات الرقمية.

وأوضحت الطالبة الباحثة، أن الخطاب الإعلامي المرتبط بالإسلام يتحول داخل البيئة الرقمية إلى مادة قابلة للتضخيم وإعادة التدوير المستمر، خاصة عندما يتعلق الأمر بقضايا الأمن والهجرة والهوية والجغرافيا السياسية.
ومن خلال تحليلها لعينة من مقالات صحيفة “لو فيغارو” الفرنسية خلال النصف الأول من سنة 2024، خلصت الباحثة، إلى أن الخطاب الإعلامي يوظف سجلات دلالية متعددة ، تجمع بين ما هو أمني وهوياتي وقانوني وجيوسياسي، كما تُنتج صورة المسلم باعتباره “آخر مختلف أو تهديدا محتملا.
وترى هبة شاكر أن خطورة هذه العملية لا تتوقف عند إنتاج الصور النمطية، بل تمتد إلى إعادة تشكيل أنماط التدين نفسها، إذ تدفع بعض الفئات المسلمة إلى تبني أشكال من “التدين الدفاعي” داخل الفضاء الرقمي، في محاولة لحماية الهوية وإعادة بناء الانتماء في مواجهة ما تعتبره ضغطاً رمزيا متزايدا.
وأضافت الباحثة أن المنصات الرقمية لا تعيد فقط نشر الخطاب الإعلامي، بل تضاعف تأثيره عبر آليات التفاعل والانتشار والاقتراح الخوارزمي، وهو ما يجعل الإسلاموفوبيا اليوم مرتبطة أيضاً بالبنية التقنية للفضاء الرقمي، وليس فقط بالمواقف السياسية أو الإيديولوجية التقليدية.

“الراقي الرقمي”.. حين تدخل الرقية الشرعية اقتصاد المنصات

وحدث هذا التحول في علاقة الدين بالتكنولوجيا، بحيث فصّلت مداخلة الباحثة فتيحة هدر، طالبة الدكتوراه في علم الاجتماع بجامعة السلطان مولاي سليمان ببني ملال، في التحولات التي عرفتها الرقية الشرعية بعد انتقالها من فضائها التقليدي المرتبط بالتفاعل المباشر إلى فضاء رقمي مفتوح.
وترى الباحثة أن الرقية الشرعية لم تعد مجرد ممارسة علاجية أو دينية محكومة بالعلاقة المباشرة بين الراقي والمتلقي، بل تحولت إلى محتوى رقمي دائم التداول، يخضع لمنطق التأثير والمشاهدة والانتشار داخل المنصات الاجتماعية.

وتوقفت فتيحة هدر عند بروز ما أسمته بـ”الراقي الرقمي”، باعتباره فاعلا جديدا يجمع بين المرجعية الدينية ومنطق المنصات الرقمية، حيث لم تعد الشرعية تستند فقط إلى المعرفة الدينية أو الاعتراف الاجتماعي التقليدي، بل أصبحت مرتبطة أيضاً بمؤشرات رقمية مثل عدد المتابعين، ونسب التفاعل، وحجم الانتشار.

كما تشير الباحثة إلى أن الرقية الشرعية أصبحت جزءاً من اقتصاد المنصات، من خلال الإعلانات والتبرعات والخدمات المدفوعة، في تداخل واضح بين المقدس والسوق الرقمية. وترى أن هذه التحولات أعادت صياغة العلاقة بين الدين والاستهلاك، وحولت بعض الممارسات الدينية إلى أنشطة رقمية تخضع لمنطق المنافسة وبناء الجمهور.

التدين المغربي في الفضاء الافتراضي.. تنشئة جديدة خارج المؤسسة التقليدية

ومن زاوية سوسيولوجية وأنثروبولوجية، ناقش الباحث رضوان بنفاتح زروق والدكتور عبد الهادي أعراب، من جامعة شعيب الدكالي بالجديدة، التحولات التي يعرفها التدين المغربي داخل المجال الافتراضي، معتبرين أن المنصات الرقمية أصبحت تؤدي أدواراً تتجاوز التواصل نحو إعادة تشكيل الهوية الدينية وأنماط الانتماء والتفاعل.

واعتمد الباحثان على الإثنوغرافيا الافتراضية وتحليل محتوى منشورات وصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي مثل «فيسبوك» و«واتساب»، من أجل فهم الكيفية التي يعيد بها المغاربة بناء علاقتهم بالدين داخل البيئة الرقمية.

ويرى الباحثان أن المجال الافتراضي تحول إلى شكل جديد من التنشئة الاجتماعية، يسمح للمتدينين بالحضور الدائم والتفاعل المستمر، كما يمنح الأقليات الدينية إمكانيات أوسع للظهور والتعبير عن الذات داخل المجال العمومي الرقمي.

كما تؤكد الدراسة أن التكنولوجيا الرقمية ساهمت في تقويض احتكار المؤسسات التقليدية للسلطة الدينية، من خلال فتح المجال أمام فاعلين جدد وخطابات دينية متعددة المرجعيات. ويعتبر الباحثان أن التدين المغربي يعيش اليوم مرحلة إعادة تشكل عميقة، أصبحت خلالها الهوية الدينية أكثر سيولة وقابلية لإعادة البناء والتفاوض.

السلطة الدينية الخوارزمية.. من المرجعية المؤسسية إلى المرجعية الرقمية

وفي امتداد للأسئلة المرتبطة بالسلطة والمعنى، تناولت الباحثة نعيمة عزار، من جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، التحولات التي مست مفهوم السلطة الدينية في العصر الرقمي، موضحة أن الانتقال من المؤسسات التقليدية إلى المنصات الرقمية أدى إلى بروز ما وصفته بـ«السلطة الدينية الخوارزمية”.
وترى نعيمة عزار أن السلطة الدينية لم تختف مع الرقمنة، بل أعادت تشكيل نفسها داخل نظام شبكي جديد تحكمه الخوارزميات وآليات التأثير الرقمي. فالمقدس، بحسب الباحثة، لم يعد يخضع فقط لوساطة المؤسسات التاريخية، بل أصبح يعاد إنتاجه وتأطيره داخل بيئة تقنية تتحكم في شروط ظهوره وانتشاره وتلقيه.
وأضافت أن الحقيقة الدينية تحولت تدريجياً إلى وحدات معلوماتية قابلة للتداول وإعادة الإنتاج داخل المنصات، بما أدى إلى تسييل الخطاب الديني وفقدانه لطابعه الثابت والمستقر. ونتيجة لذلك، أصبح المجال الرقمي فضاءً لإعادة توزيع الشرعية بين فاعلين متعددين يجمعون بين التأثير الشبكي والقدرة على صناعة الجمهور.

وترى الباحثة أن هذا التحول لا يعني اختفاء السلطة الدينية، بل انتقالها من نمطها المركزي التقليدي إلى سلطة شبكية سائلة تتداخل فيها التكنولوجيا مع التأثير الرمزي والمعرفي.

“الدين السائل”..التقنية بوصفها مركزا جديدا للمعنى

واختار الباحث حمادي أنوار، من جامعة محمد الخامس بالرباط، مقاربة فلسفية لتحليل التحولات التي مست التجربة الدينية في العصر الرقمي، من خلال مفهوم «الدين السائل».
ويطرح الباحث تساؤلات مرتبطة بقدرة الدين على الحفاظ على جوهره في زمن أصبحت فيه التقنية تفرض أنماطاً جديدة من الوجود والإدراك والتفاعل.
ويرى أن العالم الرقمي لم يؤثر فقط في طرق التدين أو أشكال الممارسة الدينية، بل أعاد تشكيل معنى المقدس نفسه، في ظل هيمنة الوسائط التقنية وتحولها إلى مركز جديد للانتباه والتقديس داخل الحياة المعاصرة.
ويعتبر حمادي أنوار أن الإنسان يعيش اليوم تجربة وجودية جديدة يجد نفسه فيها مضطرا للتكيف مع «نسق تقني» أعاد تشكيل علاقته بالزمن والروح والمعنى، وهو ما أدى، بحسبه، إلى فقدان التجربة الدينية جزءاً من روحها العميقة المرتبطة بالتقديس والتأمل والبعد الروحي.

التدين الرقمي.. الحرية الفردية في مواجهة الضبط الرمزي

بدورها، سلطت الباحثة غزلان أزندور، الباحثة بسلك الدكتوراه بجامعة ابن طفيل، الضوء على التوتر القائم بين وعود الحرية التي يتيحها التدين الرقمي وبين أشكال الضبط الرمزي الجديدة التي تنتجها المنصات الرقمية.
وترى الباحثة أن الفضاء السيبراني أسهم في دمقرطة المعرفة الدينية وتقويض احتكار المؤسسات التقليدية، حيث أصبح بإمكان الأفراد الوصول إلى الخطابات الدينية والتفاعل معها خارج الأطر الرسمية، غير أن هذه الحرية الرقمية تخفي، بحسب الدراسة، أشكالاً جديدة من الهيمنة الرمزية تمارسها الحشود الرقمية والخوارزميات واقتصاد الانتباه.
وتوضح غزلان أزندور أن المنصات الرقمية أعادت إنتاج الرقابة والعنف الرمزي بطرق مختلفة، من خلال التشهير والإقصاء وإعادة توجيه الوعي الجمعي، بما أدى إلى بروز ما تسميه الدراسة بـ«الشعبوية الدينية الرقمية»، حيث يتحول الفضاء التعددي إلى مجال للصراع الهوياتي والتضاد الإقصائي.
وترى الباحثة أن السلطة الدينية في العصر الرقمي لم تعد مرتبطة فقط بالمؤسسات، بل أصبحت تُنتج أيضاً عبر جاذبية المؤثرين، والهندسة الخوارزمية، وسيكولوجية الحشود الرقمية.

الهوية الأنثوية والخطاب المتطرف.. صناعة الانتماء داخل الفضاء الافتراضي

وفي محور آخر من الندوة، ناقشت الباحثة خولة وسير، من كلية الشريعة بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، إعادة تشكيل الهوية الأنثوية داخل الخطاب الديني المتطرف المتداول رقمياً.
وترى الباحثة أن المنصات الرقمية أصبحت فضاءات لإعادة بناء أدوار المرأة داخل الجماعات المتطرفة، من خلال توظيف السرديات الدينية والرموز الجندرية لإعادة تعريف موقع المرأة داخل الجماعة.

وتوضح الدراسة أن البيئة الرقمية سمحت بظهور أشكال جديدة من «التمكين الافتراضي»، حيث أصبح بإمكان النساء تجاوز الحدود الاجتماعية والجغرافية التقليدية والانخراط في هويات دينية راديكالية تتشكل داخل المجال الرقمي.

كما ركزت الباحثة على آليات الاستقطاب الرمزي التي يعتمدها الخطاب المتطرف داخل المنصات الاجتماعية، وعلى كيفية إعادة إنتاج تمثلات معيارية للمرأة تمنح الانتماء المتطرف بُعداً هوياتياً ونفسياً يتجاوز مجرد الالتزام الإيديولوجي.

الراب في خطاب الاحتجاج.. الدين والسياسة والمواطنة الرقمية

وتناول الباحث عبد الصادق الطاهري، إلى جانب الباحثة نادية وعشين من جامعة الحسن الثاني، العلاقة بين الدين والسياسة والمواطنة الرقمية في الراب المغربي المعاصر، من خلال تجربة مغني الراب “سيمو لكناوي.
واعتمدت الدراسة على تحليل كلمات الأغاني والتعليقات المنشورة على منصة «يوتيوب»، من أجل فهم كيفية تفاعل الجمهور مع الخطاب الديني والسياسي داخل الراب المغربي.
وأظهرت الدراسة أن الراب تحول إلى فضاء خطابي هجين تتقاطع داخله المرجعيات الدينية مع النقد الاجتماعي والخطاب السياسي، فيما يشارك الجمهور الرقمي بدوره في إعادة بناء المعنى من خلال التفاعل والتعليق والمشاركة.

ويرى الباحثان أن الخطاب الديني داخل أغاني الراب يؤدي وظيفة أخلاقية ورمزية في تفسير الواقع الاجتماعي والتعبير عن قضايا التهميش والعدالة والانتماء، كما يكشف عن تحولات جديدة في علاقة الشباب المغربي بالدين والسياسة داخل البيئة الرقمية.

الوحي والعلم.. مراجعة أسئلة المعرفة في الفكر الإسلامي المعاصر

ومن جهة أخرى، تناول الباحث يونس بن محمد عزيوي، من مختبر العلوم النفسية والفكرية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، العلاقة بين الوحي والمنجز العلمي وأثرها في تشكل المنطلقات الفلسفية للمعرفة داخل الفكر الإسلامي المعاصر.
وأوضح الباحث أن العلاقة بين الدين والعلم عرفت مسارات متعددة داخل الفكر الإسلامي، تأثرت بتحولات الوعي المعرفي المعاصر وبالتطورات التقنية والعلمية الحديثة.
وأشار إلى أن الدراسة كشفت وجود فجوة بين الوعي بالأزمة المرتبطة بالعلاقة بين الوحي والعلم وبين امتلاك الأدوات المنهجية القادرة على تجاوزها، كما أظهرت استمرار النزعة التكاملية داخل الفكر الإسلامي المعاصر، إلى جانب بروز توجهات نقدية تدعو إلى مراجعة مفهوم «الإعجاز العلمي» ووظيفته داخل الخطاب الديني.
وأكد الباحث أن التحولات الرقمية والعلمية الراهنة تفرض إعادة التفكير في المنطلقات الفلسفية للمعرفة الدينية، وفي طبيعة العلاقة بين المرجعية الدينية والمنجز العلمي داخل السياق المعاصر.

وتكشف مجمل المداخلات أن الفضاء الرقمي لم يعد مجرد وسيط تقني لنقل الخطاب الديني، بل تحول إلى بيئة كاملة لإعادة تشكيل السلطة والهوية والمعنى والمقدس، في زمن أصبحت فيه الخوارزميات والاقتصاد الرقمي والظهور الشبكي عناصر فاعلة في تحديد طبيعة التدين المعاصر وحدود تأثيره داخل المجتمع.