شهد معهد الدراسات الإسلامية بالجامعة الحرة في برلين بألمانيا، بتعاونٍ أكاديمي رفيع مع كلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك التابعة لجامعة الحسن الثاني في الدار البيضاء، تنظيم سلسلة من السيمينارات الفلسفية والبيداغوجية الدولية والمحاضرات الأكاديمية الرفيعة، التي قاد فعالياتها العلمية الباحث المغربي المتخصص في مجالات الإبستمولوجيا وفلسفة الأخلاق وتاريخ المفاهيم وتاريخ الفلسفة الإسلامية المعاصرة البروفيسور عبد اللطيف فتح الدين، أستاذ التعليم العالي ونائب مدير مختبر “لوغوس”، ورئيس شعبة الفلسفة سابقاً بالكلية، والتي انطلقت فعالياتها يوم الإثنين 13 يوليوز الجاري واختُتمت يومه الجمعة.

جسور تواصل أكاديمي بين برلين والدار البيضاء
وحظيت هذه الفعاليات العلمية الكبرى، برعاية وإشراف وتنسيق من قامات أكاديمية دولية وازنة؛ حيث واكبتها بالدعم والمتابعة المستمرة البروفيسور تالايا سحابو (Talaya Sahabo)، مديرة معهد الدراسات الإسلامية بالجامعة الحرة ببرلين، والدكتور فلوريان زيمين (Florian Zemmin)، مدير القسم العربي بالمعهد، إلى جانب الجهود التنسيقية المشتركة للأستاذ عبد الهادي الصمدي، نائب العميدة المكلّف بالشؤون العلمية والشراكة الدولية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك.
وفي هذا الإطار التقريري، جمعت هذه اللقاءات نخباً من الباحثين والأكاديميين الألمان والشرق أوسطيين، إضافة إلى طلبة الدراسات العليا والمهتمين بتاريخ الفكر والدراسات الإسلامية، مُشكّلة فضاءً خصيباً للحوار الإبستمولوجي والمُساءلة النقدية حول آليات انتقال المفاهيم الفلسفية الكونية وطرق تملّكها.
الإطار النظري وهجرة المفاهيم
ودارت نقاشات هذه السلسلة الفريدة حول محور ناظمٍ اختزل قضايا فلسفية ومعرفية عميقة، وهو “هجرة المفاهيم، وتملّك الفلسفة النقدية، وإعادة تشكيل المعرفة في الفكر العربي المعاصر”؛ وهي من أمهات الأسئلة التي تشغل بال الفلسفة المعاصرة في دراستها لانتقال الأفكار بين الثقافات والتحولات التي تطرأ عليها أثناء العبور الجغرافي والتاريخي.
إلى ذلك، افتتح البروفيسور عبد اللطيف فتح الدين أطروحته بالتأكيد على أن المفاهيم الفلسفية لا يمكن اختزالها في مجرد قوالب جاهزة أو بضائع فكرية تُنقل بصورة آلية بين الثقافات، بل هي بمثابة كيانات حية تتغير دلالاتها وتتحول وظائفها بتغير الحواضن التاريخية والاجتماعية واللغوية.

وبحسب المتحدث، فإن هذه المفاهيم حين تعبر الحدود، فإنها تدخل في شبكة علاقات معقدة مع سياق الفضاء الجديد، ممتصةً أسئلته ومخاضاته وصراعاته، ومتحولةً بدورها إلى أدوات إجرائية ونقدية لإعادة بناء الوعي، وهو ما يعكس بوضوح رؤية المحاضر التي تتجلى أيضا في أدواره التربوية والجامعية المتعددة؛ كأستاذ متعاون لتدريس وحدات التنمية الذاتية بجامعة مونديابوليس، واهتماماته المتعددة في مجالات التربية والفن والثقافة، إلى جانب إشرافه على فرقة “موندياكورال” الأكاديمية للموسيقى والتربية الصوتية، حيث يدمج بانسجام تام بين البحث الفلسفي والعمل التربوي والفني، إيمانا منه بأن المعرفة مشروع إنساني مفتوح على الحوار المستمر والإبداع الخلاق.


تحولات مفهوم الحرية
وفي هذا السياق المعرفي، جاءت المحاضرة الأولى يوم الإثنين 13 يوليوز لتناقش تحولات الحرية بين الفلسفة العالمية والمعارك الموضوعاتية العربية، داعيةً الحضور إلى إعادة النظر في مفهوم الحرية كبنية تاريخية متحركة لا تكتسب معناها النهائي إلا عبر السياقات التي تتفاعل معها. وقد استند المحاضر في تفكيكه إلى أدوات منهج “تاريخ المفاهيم” (Begriffsgeschichte) الذي طوره الفيلسوف والمؤرخ الألماني الشهير راينهارت كوزيليك؛ حيث أوضح أن المفاهيم السياسية والفلسفية تنطوي دومًا على ذاكرة التجارب الإنسانية السابقة وتظل في الوقت ذاته منفتحة على آفاق مستقبلية تتجاوز لحظة ظهورها الأولى، وبذلك تصبح الهجرة انتقالاً خلاقاً لا مجرد ترجمة أو نقل خطي.
وقدم البروفيسور فتح الدين تشريحا نقديا لطبيعة العبور المعرفي، مبينًا أن مفهوم الحرية في السياق الغررّبي الحديث بعد مرحلة التنوير والتعاقد الاجتماعي تبلور بوصفه مفهوما بنيويا ومؤسساتيا (Strukturbegriff) يرتبط بوضع القوانين التي تحمي الفرد؛ بينما أدى انتقاله إلى الفضاء العربي المعاصر إلى تحوله دلاليًا وظيفيًا ليصير مفهومًا كفاحيًا وعلاجيًا (Kampfbegriff) لم يُستدعَ كترف فكري بل كأداة عمل تاريخية فرضتها ضرورات معارك النهضة، والتحرر من ربقة الاستعمار، ومواجهة الاستبداد ونقد البنيات التقليدية والموروثة لإعادة بناء شروط التقدم الحضاري.
منطق الإزاحة الدلالية
واسترسل المحاضر في رصد التطور التاريخي لمفهوم الحرية مبرزا خضوعه لـ “منطق الإزاحة الدلالية” عبر ثلاث محطات كبرى كشفت عن اختلاف وظائفه بحسب الحاجات التاريخية للمجتمع المستقبل.
وتمثلت اللحظة الأولى في الحقبة الكلاسيكية السياسية التي تجسد فيها المفهوم في الفكر اليوناني عند أرسطو مرتبطًا بالبنية القانونية للمدينة التي تفصل بنيويًا بين المواطن الحر والعبد. ومقابل هذا التصور الخاص, أبرز البروفيسور فتح الدين كيف أن رفاعة رافع الطهطاوي، في سياق النهضة العربية الحديثة، أنجز عملية مواءمة دلالية عميقة ووطّن المفهوم داخل المرجعية العربية الإسلامية بربطه بمفاهيم العدل والشرع لحماية الإنسان من الجور والاستبداد وضمان حقوق الرعية، ليؤدي وظيفة جديدة تماماً داخل مشروع النهضة والإصلاح.
وتجسدت المحطة الثانية في لحظة التنوير والتعاقد؛ حيث قارن المحاضر بين المنظور الليبرالي الغربي عند جون ستيوارت ميل، والذي يتخذ فيه المفهوم طابع “قلعة الفرد” لحماية حريته المستقلة وفكره الأخلاقي الشخصي من تدخل المجتمع والدولة، وبين إعادة صياغته مع خير الدين التونسي الذي نقله إلى أفق إصلاحي تنموي يتمحور حول “حرية الأمة” وصيانة الدولة وحمايتها من التأخر ومواجهة الاختراقات الخارجية، فغدت الحرية وسيلة للنهوض بالجماعة وإنقاذ المجموع لا للانفصال والاعتزال الفردي.
وفي المحطة الثالثة، وصل المحاضر إلى القرن العشرين والمنعطف الوجودي والتاريخاني الذي أعقب الصدمات الكبرى كنكبة 1948 ونكسة 1967؛ وهنا برز المنحى الوجودي عند عبد الرحمن بدوي الذي جعل الحرية تجربة غائرة في الذات الفردية لمواجهة القلق وصدمة الهزيمة في عالم فقد يقينياته، بينما اختار عبد الله العروي مسارًا تاريخانيًا يربط الحرية بالوعي التاريخي وبمدى قدرة المجتمع على استيعاب شروط العصر والانخراط في الحداثة كضرورة تاريخية، داعياً إلى عقلانية واقعية ومسؤولة ترفض انفصال المثقف عن شروط واقعه. ولم يفت المحاضر التوقف في هذا السياق عند المواقف والتحفظات النقدية التاريخية للمؤرخ أحمد بن خالد الناصري والمفكر عبد الرحمن الكواكبي كإسهامات أصيلة في نقد السلطة ومقاومة الاستبداد.
تملّك الفلسفة النقدية والتقاطعات المعرفية
وانتقل النقاش في المحاضرة العمومية الثانية، التي ألقاها البروفيسور اليوم الجمعة 17 يوليوز والموسومة بـ «من كانط إلى الفكر العربي المعاصر: تملّك الفلسفة النقدية وإعادة تشكيل المعرفة»، من هجرة المفاهيم السياسية إلى سبل تملّك المناهج الفلسفية الكبرى والأدوات الإبستمولوجية بين الثقافات. وافتتح البروفيسور اللقاء بتأويل فلسفي لحكمة القطب المغربي أبي العباس السبتي القائلة «الوجود ينفعل بالجود»، موضحًا أن أسمى مراتب الجود تتجلى في الجود المعرفي الذي يتجاوز الانغلاق الثقافي نحو تقاسم الأفكار وبناء فضاءات الحوار الإنساني المشترك، معتبرًا الفلسفة حركة عبور وتبادل دائم تزداد غنى كلما تلاقت مع تجارب معرفية مختلفة.
وفي لفتة نقدية مقارِنة ومثيرة شكلت إحدى أبرز لحظات المحاضرة، عقد البروفيسور فتح الدين موازنة تاريخية بين إيمانويل كانط، قطب الفلسفة النقدية الحديثة، والفقيه والفيلسوف الإسلامي المولى محمد مهدي النراقي صاحب كتاب «جامع السعادات». وأوضح المحاضر أن النراقي قدم تشريحًا أصيلاً للنفس الإنسانية بإضافته “القوة الوهمية” كقوة رابعة إلى جانب القوى الكلاسيكية الثلاث المعروفة، حيث تعمل بمثابة ذكاء إجرائي وتخيل ذاتي؛ إن هي انقادت ونظمت داخل نسق العقل أثمرت كمالاً وخيراً وخدمت الكمال الإنساني، وإن تمردت وانفصلت عن التوجيه العقلي تحولت إلى ما يشبه الشيطان الداخلي الذي يوجّه الذات نحو الأهواء والشهوات. وأبرز البروفيسور التقاطع المدهش بين هذا التصور وما ذهب إليه كانط في تأسيس الأخلاق على العقل العملي والاستقلال الأخلاقي ورفض اختزال الفعل الأخلاقي في المنفعة واللذة، مؤكدًا أن هذا التناغم لا يعني التأثر المباشر أو التطابق، بل يكشف أن الأسئلة الإنسانية والأخلاقية الكبرى قادرة على الانبثاق في سياقات حضارية متعددة ومتباعدة.

نماذج تملّك الفكر الفلسفي النقدي في المشهد العربي المعاصر
وفي هذا السياق المتصل، أكد المحاضر أن تلقي المنهج النقدي الكانطي في الفكر العربي تجاوز محاكاة النصوص إلى صياغة تملّك إبستمولوجي تمثل في ثلاثة مشاريع محورية؛ أولها مشروع محمد عابد الجابري الذي نقل سؤال النقد من فحص شروط المعرفة والعقل المجرد إلى فحص بنية “العقل العربي” وتفكيك أنظمته المعرفية التاريخية المتمثلة في البيان والعرفان والبرهان، مستعينًا بآليات إبستمولوجية فرنسية حديثة كأدوات تحليلية للبنيات العميقة للتراث.
وثانيها مشروع عبد الله العروي الذي جعل النقد مدخلاً لإعادة بناء العلاقة بين الذات والتاريخ ولردم الفجوة التاريخية بين وعي الذات وشروط العصر، داعيًا إلى عقلانية واقعية ومسؤولة ترى في الوعي بالتاريخ واستيعاب منطق العصر شرطًا أساسيًا للتحديث والتحرر. وثالثها مشروع محمد أركون الذي عبر بالنقد إلى مساءلة الشروط الأنثروبولوجية واللسانية العميقة لإنتاج المعنى داخل الثقافة الإسلامية عبر مشروعه “الإسلاميات التطبيقية”، موظفًا مناهج تفكيكية ولسانية متطورة كتحليل الخطاب وعلم النفس التاريخي لا بهدف إقصاء التراث، بل لتحرير العقل الإسلامي من التسييج اللاهوتي والدوغمائي التقليدي وفتح المجال أمام القراءات التاريخية المفككة للآليات العميقة.
آفاق الفكر الإنساني في العصر الرقمي
وخلص البروفيسور عبد اللطيف فتح الدين في ختام هذه السلسلة الأكاديمية والاستثنائية إلى أن هجرة الأفكار وتملّك الفلسفة النقدية لا يعبران عن تبعية أو استنساخ لنماذج جاهزة، بل يمثلان ممارسة لـ “تاريخانية حية” يعيد من خلالها الفكر العربي بناء المفاهيم الكونية وتحويلها كأدوات إجرائية لفهم الذات ونقد الواقع وبناء المستقبل.
وقد تلا المحاضرات نقاش موسع ومستفيض غصت به القاعة بين الأساتذة والباحثين والطلبة الحاضرين، حيث امتد الحوار الصحفي والفكري ليتناول قضايا راهنة تمس مستقبل الفكر الإنساني في ظل التحولات التكنولوجية المتسارعة، وتدارس تأثيرات الثورة الرقمية وتحديات الذكاء الاصطناعي في إعادة تشكيل الأسئلة الفلسفية الكبرى والحدود المعرفية والأخلاقية للعقل البشري في هذا العصر الجديد.