احتضنت كلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك بالدار البيضاء، يومي الخميس والجمعة (25 و26يونيو)، ندوة علمية دولية حول موضوع “التدين في الفضاء الرقمي”، نظمها مختبر “لوغوس” قطب الفلسفة، بمشاركة باحثين وأكاديميين من تخصصات متعددة، سعيا إلى فهم التحولات العميقة التي أحدثها العالم الرقمي في علاقة الإنسان بالدين والهوية والمعنى والسلطة الرمزية.
وشكلت الندوة فضاء للحوار بين مجالات معرفية مختلفة، تجمع بين الفلسفة وعلم الاجتماع والدراسات الدينية وعلوم الإعلام والتواصل، في محاولة لتفكيك الأسئلة الراهنية التي فرضتها الرقمنة على التجربة الدينية المعاصرة، في زمن أصبحت فيه الشاشة “وسيطا” لإنتاج الوعي وتداول القيم وإعادة تشكيل أنماط الاعتقاد.
الاعتقاد بين المأساة والتاريخ المنسي
وخلال محاضرته الافتتاحية، الموسومة بعنوان “سؤال الاعتقاد في السياق المعاصر”، انطلق الدكتور محمد الشيخ، أستاذ الفلسفة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك ومنسق الشعبة، مقاربة فلسفية تستلهم تصور أبي حيان التوحيدي، القائم على تحويل الواقعة الحية إلى مدخل للتأمل الفلسفي.
وفي هذا السياق، استحضر الدكتور محمد الشيخ، واقعة شهدتها باكستان عقب مقترح برلماني يقضي بتعديل صيغة القسم الخاصة بالأقليات الدينية، عبر استبدال عبارة “أشهد وأقسم أن محمدا خاتم الأنبياء” بعبارة “أعتقد”، احتراما للتعدد الديني والعقدي.
وأوضح المحاضر أن هذا التحول اللغوي البسيط فجر موجة احتجاجات دامية سقط خلالها عشرات الضحايا، بما يكشف القوة الرمزية الهائلة التي يحملها مفهوم “الاعتقاد”، وقدرته على تعبئة الجماعات وتحريك العواطف واليقينيات الجماعية.
واعتبر أن فعل “أعتقد” يحمل داخله مفارقة فلسفية عميقة، لأنه يجمع بين الإيمان والاحتمال، وبين اليقين وإمكان الشك.
ولم يكتف الدكتور محمد الشيخ باستحضار الواقعة السياسية، بل قاد ما يشبه الجينالوجيا الفكرية لمفهوم الاعتقاد، مستندا إلى أطروحات الفيلسوف الفرنسي بول ريكور، مبرزا كيف ظل مفهوم الاعتقاد مفهوما هامشيا في الفلسفة اليونانية والغربية القديمة، التي فضلت مفهوم “الرأي” في مقابل “العلم”، قبل أن يبدأ الاعتقاد في التشكل كمفهوم فلسفي مستقل مع ديفيد هيوم.

وفي السياق ذاته، نبه المحاضر إلى ما وصفه بـ”الحلقة المفقودة” في تاريخ المفهوم، والمتمثلة في إغفال الإسهامات الكبرى التي قدمها المتكلمون والفلاسفة العرب والمسلمون في مباحث الاعتقاد، معتبرا أن جزء من الكتابات الفكرية العربية المعاصرة ينساق، دون وعي نقدي، وراء هذا التغييب الذي مارسته بعض السرديات الفلسفية الغربية.
وقفت المحاضرة الثانية، التي قدمها الأستاذ لحبيب بن الأحمر، عند التحولات التي أفرزها العالم الافتراضي، وما ترتب عنها من تغيرات في أنماط الإدراك والتواصل والتمثلات، واضعا بذلك الأرضية المفهومية للنقاشات التي طبعت باقي الجلسات العلمية.
إبستمولوجيا المعتقد الرقمي
وناقشت الجلسة العلمية الأولى، المعنونة بـ”إبستمولوجيا المعتقد الرقمي وسؤال الحقيقة”، تأثير التكنولوجيا الرقمية في إعادة تشكيل التجربة الدينية وأنماط إنتاج الحقيقة داخل الفضاء الافتراضي.
وتوقفت المداخلات عند قضايا “الدين السائل” وتحولات السلطة الدينية في البيئة الرقمية، إضافة إلى الدور المتزايد الذي أصبحت تلعبه الخوارزميات في توجيه الوعي الجماعي وإعادة ترتيب الأولويات الرمزية والمعرفية للمستخدمين.
وناقش المشاركون العلاقة المعقدة بين الحرية الفردية وآليات الضبط الرمزي داخل شبكات التواصل الاجتماعي.
وركزت الجلسة الثانية، على سوسيولوجيا الهوية والممارسات الرقمية الجديدة، حيث تناول الباحثون تأثير الخطاب الديني الرقمي في تشكيل الوعي الجماعي، وتحولات الهوية داخل الفضاء الافتراضي، إلى جانب أدوار المؤثرين الدينيين في إعادة إنتاج القيم الاجتماعية والسياسية لدى فئة الشباب.
وفي هذا الإطار، أكد مختبر “لوغوس” أن الرقمنة لم تعد مجرد تطور تقني عابر، بل تحولت إلى فضاء وجودي يعيد تشكيل علاقة الإنسان بالمقدس، في ظل انتقال تدريجي من التدين المؤسساتي التقليدي إلى ما بات يعرف بـ”التدين الشبكي”، القائم على التفاعل المفتوح والعابر للحدود الجغرافية والرمزية.
الاستهلاك الرقمي
وفي تصريح على هامش الندوة، أكد الدكتور فتح الدين أن الحديث عن التدين في العصر الرقمي لم يعد ترفاً فكرياً أو مجرد موضوع مرتبط بوسائل التواصل الاجتماعي، بل أصبح سؤالاً فلسفياً ومعرفياً يتعلق بطبيعة الإنسان المعاصر وعلاقته بالحقيقة والمعنى والمقدس.
وأوضح أن الفضاء الرقمي أحدث تحولاً عميقاً في بنية التلقي الديني، بعدما انتقلت المرجعية من المؤسسات التقليدية إلى فضاءات مفتوحة تتحكم فيها الخوارزميات ومنطق الانتشار السريع. وأضاف أن الفرد المعاصر بات يعيش وسط تدفق هائل من المضامين المتنوعة والمتناقضة أحياناً، وهو ما يفرض إعادة التفكير في مفهوم السلطة الدينية وحدود تأثيرها داخل المجال العمومي الرقمي.

وأشار المتحدث إلى أن أخطر ما يميز البيئة الرقمية هو قدرتها على تحويل الدين من تجربة روحية عميقة إلى محتوى سريع الاستهلاك، تحكمه آليات المشاهدة والتفاعل وعدد المتابعين، بما يفتح الباب أمام تسطيح الخطاب الديني أو توظيفه لأغراض إيديولوجية وسياسية وتجارية.
وشدد على أن الخوارزميات لم تعد أدوات تقنية محايدة، بل أصبحت فاعلاً مركزياً في تشكيل الوعي الجماعي وبناء التصورات العقدية والثقافية لدى المستخدمين، خاصة في أوساط الشباب الذين يقضون جزءاً كبيراً من حياتهم داخل الفضاء الرقمي.
وأضاف أن مواجهة هذه التحولات لا تمر عبر رفض التكنولوجيا أو التخوف منها، وإنما عبر بناء حس نقدي جديد قادر على التمييز بين المعرفة الرصينة والخطابات الشعبوية والمتطرفة، داعياً الجامعة والبحث العلمي إلى مواكبة هذه التحولات من خلال مقاربات متعددة التخصصات تجمع بين الفلسفة وعلم الاجتماع والدراسات الدينية وعلوم الإعلام والتواصل.
وختم تصريحه بالتأكيد على أن الشاشة الرقمية لم تعد مجرد وسيلة لنقل الأفكار، بل تحولت إلى فضاء يعيد تشكيل علاقة الإنسان بالعالم وبالمقدس، بما يستدعي تطوير وعي فلسفي جديد يوازن بين الانفتاح على التكنولوجيا والحفاظ على عمق التجربة الإنسانية والروحية.
أسئلة المستقبل الرقمي
وتواصلت أشغال الندوة في يومها الثاني من خلال جلسات ناقشت علاقة الدين بالمؤسسة والخطاب الدعوي والسياسة داخل الفضاء الرقمي، حيث طرحت قضايا “الإسلاموفوبيا الخوارزمية”، وتحولات المرجعية الدينية، والدين في الثقافة الشعبية الرقمية، إضافة إلى تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على بناء الهوية الدينية بالمغرب والعالم العربي.
وفي ختام الندوة، شدد المشاركون على أهمية المقاربة متعددة التخصصات لفهم التحولات التي يشهدها المجال الديني في العصر الرقمي، معتبرين أن الشاشة لم تعد مجرد وسيلة للتواصل، بل أصبحت فاعلاً بنيوياً في صياغة الوعي الفردي والجماعي.
كما أكد المتدخلون أن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في مواكبة التطور التقني، بل في إنتاج تفكير نقدي قادر على حماية المعنى الإنساني والروحي في عالم تتسارع فيه الصورة وتزداد فيه سيولة المعنى واليقين.