احتضنت كلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك بالدار البيضاء، ندوة علمية دولية حول موضوع “التدين في الفضاء الرقمي”، نظمها مختبر لوغوس قطب الفلسفة، بمشاركة باحثين وأكاديميين من تخصصات متعددة، سعياً إلى فهم التحولات التي أحدثها العالم الرقمي في علاقة الإنسان بالدين والهوية والمعنى.
السلطة الرمزية لمفهوم الاعتقاد
وفي افتتاح أشغال الندوة، خصص الدكتور محمد الشيخ أستاذ الفلسفة بجامعة الحسن الثاني، مداخلته حول “سؤال الاعتقاد في السياق المعاصر”.
وانطلق في مقاربته -على هدي الفيلسوف أبي حيان التوحيدي- من ربط المساءلة الفلسفية بالحادثة والواقعة الحية لتحويلها إلى تأمل فلسفي عميق.
واستحضر الدكتور واقعة “مأساوية وطريفة” شهدتها باكستان إثر مقترح تشريعي بتغيير صيغة القَسَم للأقليات من عبارة “أشهد وأقسم أن محمداً خاتم الأنبياء” إلى عبارة “أعتقد”، احتراماً للتعدد الديني.
ويعد هذا التغيير اللغوي البسيط في الانتقال إلى فعل “أعتقد” الذي يحمل الشيء وضده من شك ويقين، قد فجّر موجة من العنف سقط ضحيتها العشرات، مما يبرز خطورة مفهوم “الاعتقاد” وسلطته الرمزية في تحريك الجماهير.
وقاد الدكتور محمد الشيخ جينالوجيا تاريخية للمفهوم، مستندا إلى أطروحة الفيلسوف الفرنسي “بول ريكور”، ليوضح كيف ظل الاعتقاد مفهوما تابعا، un concept périphérique ومهمشا في المعاجم الفلسفية الغربية واليونانية القديمة، التي فضلت مفهوم الرأي الـ Doxa في مقابل العلم La science، قبل أن يؤسس له “ديفيد هيوم” فلسفةً قائمة الذات.
ونبّه الدكتور والمحاضر محمد الشيخ إلى ما أسماه “الحلقة المفقودة” في هذا التأريخ، والمتمثلة في قفز الفلسفة الغربية على ما أنتجه المتكلمون والفلاسفة العرب والمسلمون في مباحث “الاعتقاد”، وهو التغييب الذي ينساق وراءه -للأسف- بعض مؤرخي الفكر في ثقافتنا الراهنة.
وكانت المحاضرة الثانية، للأستاذ لحبيب بن الأحمر، الذي تناول إشكالية العالم الافتراضي وتحولاته، واضعا تمهيدا فلسفيا للنقاشات المفهومية والتقنية التي طبعت مختلف الجلسات العلمية.
إبستمولوجيا المعتقد الرقمي
أعقبت الجلسة الافتتاحية جلسات علمية متخصصة؛ حيث ناقشت الجلسة الأولى، المعنونة بـ”إبستمولوجيا المعتقد الرقمي وسؤال الحقيقة”، أثر التكنولوجيا في إعادة تشكيل التجربة الدينية. وتوقفت مداخلات الباحثين عند قضايا “الدين السائل”، وتحول السلطة الدينية داخل الفضاء الرقمي، وسلطة الخوارزميات في توجيه الوعي، إضافة إلى العلاقة بين الحرية الفردية والضبط الرمزي في شبكات التواصل الاجتماعي.
وفي تصريح له على هامش الندوة، أكد الدكتور عبد اللطيف فتح الدين أن الحديث عن التدين في العصر الرقمي لم يعد ترفا فكريا أو موضوعا مرتبطا فقط بوسائل التواصل الاجتماعي، بل أصبح سؤالا فلسفيا ومعرفيا يهم طبيعة الإنسان المعاصر وعلاقته بالحقيقة والمعنى والمقدس.
التلقي الديني و “الخوارزميات”
وأوضح المتحدث أن الفضاء الرقمي أحدث تحولا عميقا في بنية التلقي الديني، بعدما انتقلت المرجعية من المجال المؤسساتي التقليدي إلى فضاءات مفتوحة تتحكم فيها الخوارزميات ومنطق الانتشار السريع.
وأضاف أن الفرد اليوم لم يعد يتلقى المعرفة الدينية داخل إطار ثابت ومؤطر، بل أصبح يعيش وسط تدفق هائل للمحتويات المتنوعة والمتناقضة أحياناً، الأمر الذي يفرض إعادة التفكير في مفهوم السلطة الدينية وحدود تأثيرها.
وأشار الدكتور فتح الدين إلى أن أخطر ما يميز البيئة الرقمية هو قدرتها على تحويل الدين من تجربة روحية عميقة إلى محتوى سريع الاستهلاك، تحكمه آليات المشاهدة والتفاعل وعدد المتابعين، وهو ما يفتح المجال أمام تسطيح الخطاب الديني أو توظيفه لأغراض إيديولوجية وسياسية وتجارية.
كما شدد على أن الخوارزميات لم تعد مجرد أدوات تقنية محايدة، بل أصبحت فاعلا مؤثرا في تشكيل الوعي الجماعي وبناء التصورات العقدية لدى المستخدمين، خاصة في صفوف الشباب.
وأضاف أن هذا التحول يفرض ضرورة بناء حس نقدي جديد قادر على التمييز بين المعرفة الرصينة والخطابات الشعبوية، مؤكداً أن الرهان اليوم لا يتعلق برفض التكنولوجيا، وإنما بفهم آليات اشتغالها وتأثيرها. واعتبر أن الجامعة والبحث العلمي مطالبان بمواكبة هذه التحولات عبر فتح نقاشات أكاديمية عابرة للتخصصات تجمع بين الفلسفة، وعلم الاجتماع، والدراسات الدينية، وعلوم الإعلام. وختم تصريحه بالتأكيد على أن الشاشة الرقمية لم تعد مجرد وسيلة لنقل الأفكار، بل أصبحت فضاء يعيد تشكيل علاقة الإنسان بالعالم وبالمقدس.