• مونديال 2026.. الكشف عن الألبوم الرسمي للبطولة بمشاركة نخبة من نجوم الموسيقى العالمية
  • قمة الجولة 22.. نهضة بركان يهزم الرجاء بهدف قاتل ويخطف الوصافة
  • صحيفة برازيلية تحذر: صيباري يعيش أفضل فتراته!
  • حكيمي: طموحي لا يتوقف عند دوري الأبطال وأحلم بإنجاز مع “الأسود”
  • عودة لاعب قد تغير مستقبله.. براهيم دياز على رادار يوفنتوس
عاجل
الإثنين 05 يناير 2026 على الساعة 21:00

من المدرجات إلى المستشفيات.. خطة صحية لحماية جماهير “الكان”

من المدرجات إلى المستشفيات.. خطة صحية لحماية جماهير “الكان”

يوسف بصور

في الكأس الإفريقية، التي يحتضنها المغرب إلى غاية 18 يناير الجاري، الرهان الصحي الصامت، الذي يشتغل بعيدا عن صخب الكاميرات، هو الجندي الخفي الذي يحمي أرواح الآلاف، لأن كرة القدم في جوهرها هي احتفال بالحياة، ولا تكتمل البهجة إلا حين يعود كل مشجع إلى دياره بسلام، معززا قناعة بأن المملكة نجحت في حماية الإنسان قبل حماية المرمى.

حادث عرضي وتدخل سريع

في أمسية كروية حافلة داخل المركب الرياضي الأمير مولاي عبد الله بالرباط، حيث كانت الأنظار مشدودة إلى مواجهة المنتخب الوطني المغربي ونظيره المالي ضمن منافسات كأس أمم إفريقيا 2025، لم تكن الإثارة محصورة داخل المستطيل الأخضر فقط. ففي الطابق الخامس حيث توجد منصة الصحافة الأضخم في إفريقيا، وقعت حادثة عابرة سرعان ما تحولت إلى لحظة كاشفة عن جاهزية المنظومة الطبية المصاحبة لهذا الحدث القاري.

فخلال الفترة الفاصلة بين شوطي المباراة، وبينما انشغل الصحافيون باستغلال دقائق الاستراحة لإنجاز حوارات أو التقاط انطباعات سريعة، تعرض أحد الزملاء الصحافيين لحادث عرضي بعد اصطدامه بباب زجاجي دون انتباه، ما أدى إلى إصابته على مستوى الوجه مما تسبب له في نزيف دموي لافت، أثار لحظة من القلق في صفوف الحاضرين.

مشهد الارتباك لم يدم طويلا. ففي دقائق معدودة، تدخل الطاقم الطبي المرابط داخل الملعب، ليتم نقل الصحافي المصاب على الفور إلى المصحة المتواجدة في الطابق تحت الأرضي بالملعب، حيث خضع لفحوصات دقيقة شملت تصويرا بالأشعة للتأكد من سلامة عظام الوجه وعدم وجود كسور. وأكد الأطباء أن الإصابة، رغم عمقها النسبي، لا تشكل خطرا، ما استدعى إجراء تدخل طبي بسيط تم خلاله تخدير موضع الجرح وخياطته في ظروف مهنية عالية.

شروط السلامة الصحية

اللافت أن التدخل الطبي تم في زمن قياسي لم يتجاوز ربع ساعة، ليعود بعدها الصحافي إلى منصة الإعلاميين، في مشهد يعكس الجاهزية الطبية وسرعة الاستجابة داخل المركب الرياضي الأمير مولاي عبد الله.

هذه الواقعة، التي مرت بهدوء دون أن تؤثر على سير التغطية الإعلامية، تختزل جانبا مهما من كواليس تنظيم كأس أمم إفريقيا 2025 بالمغرب، حيث لا يقتصر الرهان على النجاح الرياضي فقط، بل يمتد إلى توفير شروط السلامة الصحية واللوجستية لكل الفاعلين في هذا العرس القاري، من لاعبين وصحافيين وجماهير.

صحافي آخر تعرض فجأة لحالة دوار بسبب هبوط حاد في ضغط الدم ليتم نقله على الفور صوب المصحة للقيام بالتدخل الطبي اللازم. إلى جانب الإعلاميين استفاد العديد من المشجعين من بينهم أحد الأطفال من خدمات المصحة وأطرها، الذين كان تدخلهم سريعا إلى حد مثير للكثير من علامات الإعجاب.

مصحة في قلب الملعب

في جوهرة الملاعب المغربية توجد مصحة متكاملة تجسد ثورة في مفهوم الرعاية الصحية داخل المنشآت الرياضية الكبرى. تبدأ القصة من ممرات هذا الصرح الطبي، حيث تشعر وكأنك في أرقى المستشفيات العالمية. تضم المصحة قاعة عمليات جراحية تم تصميمها وفق معايير “الجيل الثالث”، مجهزة بأحدث المعدات الطبية التي تتيح إجراء التدخلات الدقيقة في وقت قياسي. وبجوارها، يقبع قسم الإنعاش المتطور، ليكون صمام أمان يضمن التدخل الفوري في الحالات الحرجة، مدعوما بنخبة من الأطر الطبية والتمريضية.

لا تتوقف التخصصات عند الجراحة، بل تمتد لتشمل قسما متخصصا لطب الأسنان، وقسما لطب العظام والمفاصل، وهو القلب النابض للمصحة نظرا لارتباطه الوثيق بالإصابات الرياضية. ما يميز هذه المنشأة هو منظومة الفحوصات المتكاملة فعوضا عن نقل المصاب إلى خارج أسوار الملعب، توفر المصحة فحوصات بأشعة الراديو وأخرى أكثر دقة عبر جهاز الرنين المغناطيسي (IRM) والسكانير، مما يتيح تشخيصا فوريا وحاسما تحت سقف واحد.

هذه المصحة ليست مجرد جدران وأجهزة، بل هي تجسيد على أرض الواقع لطموح المغرب في الريادة القارية والعالمية على مستوى التجهيزات الرياضية. إنها مدينة طبية مصغرة في قلب الملعب، تضمن أن تكون سلامة اللاعبين والجماهير في أيد أمينة، وتجعل من مركب الأمير مولاي عبد الله أيقونة متكاملة تجمع بين القوة البدنية والتفوق الطبي.

 استنفار قبل “الكان”

لم يكن الاستنفار الصحي الشامل، الذي يشهده المغرب تزامنا مع احتضانه منافسات كأس الأمم الإفريقية وليد اللحظة، بل هو تتويج لأشهر من التخطيط الدقيق والاستباقي. فقبل أسابيع عديدة من صافرة البداية، دخلت وزارة الصحة والحماية الاجتماعية في سباق مع الزمن، وعقدت سلسلة اجتماعات تنسيقية مكثفة مع اللجنة المحلية المنظمة للكان، والسلطات المحلية، ومسؤولي المصالح الاستشفائية، والوقاية المدنية، لرسم ملامح خطة طوارئ صحية متعددة المستويات.

الخطة، التي وضعت نصب عينيها “منطق الاستباقية”، ركزت على محاور رئيسية لضمان أعلى مستويات الأمان الصحي للوفود والجمهور. تم وضع تقييم دقيق وشامل للطاقة الاستيعابية للمستشفيات والمراكز الصحية القريبة من الملاعب، ورفع درجة التأهب القصوى في أقسام المستعجلات والطوارئ. كما تم تعزيز الموارد البشرية بشكل لافت خلال أيام المباريات، ووضع بروتوكولات واضحة وسريعة للتعامل مع أي إصابات جماعية محتملة.

مصدر مسؤول أكد لـ”الأحداث المغربية” في هذا الإطار أن “العمل كان يرتكز على سؤال: ماذا لو حدث طارئ؟ قبل التفكير في ماذا حدث بالفعل”. هذا النهج الاستباقي جعل المستشفيات في حالة جاهزية قصوى، دون إعلان حالة استنفار رسمي، ليكون القطاع الصحي المغربي على أهبة الاستعداد لهذا الحدث القاري الكبير.

استراتيجية الجاهزية الهادئة

بعيدا عن صخب إعلان حالة الطوارئ أو تعطيل الخدمات الطبية المعتادة للمواطنين، نجحت المنظومة الصحية في بلوغ أقصى درجات التأهب دون إرباك السير العادي للمستشفيات. واعتمدت مقاربة “الجاهزية الهادئة” على تعزيز صامت لفرق الحراسة الطبية، وتجهيز غرف إضافية تحسبا لأي طارئ، مع الرفع من مخزون الأدوية الأساسية وضمان جاهزية قصوى لأقسام الإنعاش.

كان الهدف المسطر واضحا منذ البداية، وهو تأمين ضيوف العرس القاري والتعامل مع أي حادث عرضي، مع حماية حق المريض العادي في تلقي علاجه اليومي بمرونة كاملة. وفي هذا السياق، يصف أحد الأطباء بالعاصمة الرباط هذا التحدي قائلا: “تمثل كأس إفريقيا امتحانا حقيقيا لقدرتنا على التوازن، فنحن مطالبون بخدمة هذا الحدث العالمي بكفاءة عالية، دون أن يتسبب ذلك في أي ارتباك لمنظومتنا الصحية أو مساس بجودة الخدمات المقدمة للمواطنين”. هكذا، وبمنطق “التدخل الصامت”، يثبت المغرب أن الجاهزية لا تعني بالضرورة حالة الاستنفار الظاهرة، بل هي تنسيق محكم يضمن سلامة الجميع تحت سقف الاستقرار الصحي، لتكون البطولة قصة نجاح طبية توازي نجاحها الرياضي.

إسعاف وتدخل سريع

في الوقت الذي تتجه الأنظار إلى المستطيل الأخضر في ملاعب “كان 2025″، تدور خلف الكواليس وفي المحيط أطوار مباراة من نوع آخر، بطلها “وحدات الإسعاف” التي دخلت في تحد مفتوح مع الزمن.

لم يكن انتشار سيارات الإسعاف المجهزة والأطقم الطبية مجرد إجراء روتيني، بل تم وفق هندسة دقيقة لسباق مع “الدقيقة الذهبية”. داخل محيط الملاعب وخارجها، توزعت الوحدات بناء على دراسات تقنية صارمة تراعي كثافة الجماهير، ومواقع مخارج الطوارئ، والمسافة الزمنية الفاصلة عن أقرب مستشفى.

الهدف هو ضمان التدخل في ثوان معدودة، ولذلك تم تحديد نقاط تدخل سريع داخل المدرجات، قادرة على تقديم الإسعافات الأولية للمشجعين دون إثارة الهلع أو لفت الأنظار، في مقاربة تمزج بين الفعالية والهدوء. وفي هذا الإطار قال أحد المسعفين المكلفين بالتدخل السريع في حالات الطوارئ بملعب الأمير مولاي عبد الله بالرباط: “في التظاهرات الكبرى، نحن لا نحسب الوقت بالساعات، بل بالثواني. الدقيقة الواحدة هنا هي الفاصل بين إنقاذ حياة أو فقدانها، لذا فإن تمركزنا مدروس بعناية لنكون دائما في المكان المناسب قبل فوات الأوان”.

بفضل هذه المنظومة المتكاملة، تحولت سيارات الإسعاف إلى غرف عمليات متنقلة تضمن تأمين الجماهير والمنتخبات المشاركة، لتؤكد المملكة أن نجاح الاستضافة يبدأ من تأمين الأرواح، حيث تظل “الدقيقة الذهبية” هي المعيار الحقيقي لكفاءة المنظومة الصحية المغربية في هذا العرس الإفريقي.

خطط جاهزة للطوارئ

لأنه لا مجال للارتجال في تأمين السلامة الصحية في حدث ضخم من حجم كأس إفريقيا للأمم فقد تم وضع خطط للطوارئ لضمان سرعة التدخل في حال وقوع أسوأ السيناريوهات. لم تترك وزارة الصحة واللجنة المنظمة للمونديال الإفريقي شاردة ولا واردة للصدفة، حيث تمت صياغة مسارات تدخل دقيقة لكل احتمال قد يهدد سلامة العرس القاري.

وتضمنت خطط الطوارئ سيناريوهات محاكاة معقدة، بدءا من كيفية إدارة التدافع الجماهيري المفاجئ، وصولا إلى التعامل مع موجات الحرارة المرتفعة، أو انقطاعات التيار الكهربائي وما يمكن أن ينتج عنه من حوادث في المدرجات، وحتى احتمالات التسمم الغذائي الجماعي أو الإصابات المتعددة في آن واحد.

لكل “كابوس” محتمل، تم تحديد جهة مسؤولة بمهام واضحة، ومسار تدخل لا يقبل التأخير، وزمن استجابة يقاس بالثواني لضمان السيطرة الكاملة. يختصر مسؤول في الوقاية المدنية هذه الفلسفة الاستباقية بقوله: “النجاح الحقيقي ليس في كيفية التدخل فحسب، بل في أن تظل هذه الخطط حبيسة الأوراق. نجاح الخطة يعني ألا نضطر لتفعيلها أبدا”.

تحديات التنوع الثقافي

كأس الأمم الإفريقية ليست مجرد صراع على اللقب القاري، بل هي أيضا اختبار إنساني وصحي استثنائي. فالتنوع الإفريقي للجماهير الوافدة فرض تحديات مركبة، من اختلاف اللغات إلى تباين العادات الغذائية، وصولا إلى إرهاق السفر والأمراض المزمنة غير المصرح بها. لمواجهة هذا المزيج من التحديات، اعتمدت الأطقم الطبية لغة “التواصل البسيط” الممزوجة بإشراك المترجمين والتنسيق الوثيق مع ممثلي الوفود. وكما لخص أحد الأطباء الميدانيين المشهد: “في هذه البطولة، كان التعامل الإنساني والاحتواء النفسي للمشجع الغريب عن الديار مفعولا يضاهي التدخل الطبي نفسه”.

ومع كل صافرة نهاية مباراة من المباريات، لم يكن العمل الصحي يتوقف، بل كانت تبدأ مرحلة “المراجعة الذكية”. فخلف الكواليس، تعقد اجتماعات تقييمية فورية لتسجيل الحالات، وتحليل نقاط الضعف، وتطوير البروتوكولات للمباريات التالية. المنطق السائد هو “التعلم المستمر” لضمان تجويد الخدمة يوما بعد يوم.