• بتعليمات ملكية.. وصول أولى طائرات المساعدات الإنسانية إلى بيروت
  • لجنة اليقظة تعتمد “عقد برنامج”.. مخطط لإنقاذ السياحة
  • خاص بأصحاب نظرية المؤامرة.. سيمبسون لم يتوقع أحداث انفجار بيروت
  • حجز أكثر من 4 أطنان من الشيرا في كازا.. الحرب متواصلة على مهربي المخدرات(صور)
  • طنجة.. القوات المسلحة تنزل إلى شوارع المدينة
عاجل
السبت 15 فبراير 2020 على الساعة 11:00

وصفها وهبي بضمير البّام.. الرمضاني يرسم بورتريه فاطمة الزهراء المنصوري

وصفها وهبي بضمير البّام.. الرمضاني يرسم بورتريه فاطمة الزهراء المنصوري

بدت متعَبة للغاية. واقفة كَمَن يستعجل العودة إلى الظل. الأضواء لا تناسبها كثيرا. تهرب منها. بين لحظة وأخرى توزع ابتسامتها المعهودة. سرعان ما تعيد وجهها إلى كيف كان. ملامحها تستعصي على الوصف الدقيق. غامضة؟ جافة؟ مترددة؟ مرتبكة؟ حزينة؟ مريضة؟ متألمة؟ ممكن…

أحيانا تنزل بنظرها إلى الأرض. مثل أي مُجتهد مُواظب مُنصت. وأحيانا تَجول بعينيها متألِّمة متأمِّلة مَن، أو مِن، حولها. مثل أي مُجِدٍّ لا يستبيح الراحة. كمن لا يطمئن بسهولة. تبدو مشغولة البال. هواجس كثيرة في بالها. بلا شك. قد تكون استرجعت كثيرا مما عاشته، أو قاسَته، طوال عشر سنوات، على متن التراكتور. قصص تستحق أن تُروى… في الوقت المناسب!

ما زالت واقفة. قد تُحرك يديها في اتجاهٍ ما. كمن يتحدث لغة الصم والبكم. سُرعان ما تعود إلى صورتها الأولى. واقفة. ملامحها تستعيد غموضها. ترددها. تجمع يديها إلى صدرها كمن يغالِب الخجل. وجهها ما زال متعبا. يبدو. تعبٌ من النوع الذي ينتشي به المُنتصر في حرب؟ ممكن. من النوع الذي يُحسه الجريح الناجي من معركة طالت في سبيل مبدأ؟ ممكن. كان الثمن كبيرا؟ قاسيا؟ وظالما؟ ربما.

نهاية وبداية

ظلت خلف عبد اللطيف وهبي على المنصة. ليس خلفه تماما. إلى يساره تقريبا. بين الفينة والأخرى يذكر اسمها. يلتفت إليها. “فاطمة الزهراء… فاطمة الزهراء”. كانت الوجه النسائي الأبرز هناك. لم تتكلم. لم تسْعَ إلى المنبر. لم تُغرِها الأضواء ولا الميكروفونات ولا الكاميرات. حين انتهى المشهد عانقها زميلها المهدي بنسعيد. ابتسما. تجمهر حولها صحافيون وحملة ميكروفونات وكاميرات. تكلمت. بعدها اختفت. المهمة انتهت بسلام. بنجاح. تقريبا.

هذا عصر يوم الأحد 9 فبراير 2020. الساعة الخامسة تقريبا. انتهى المؤتمر الوطني الرابع. انتهى الانتظار. انتهى الصراع. انتهت مرحلة مُثيرة من حياة البام. ستبدأ أخرى. قد تبدأ. قيادة جديدة للتراكتور. مرحلة جديدة إذن؟ كيف؟ بماذا؟ لماذا؟ من أجل ماذا؟ إلى أين؟ لا شيء واضح.

الصورة لم تكتمل بعد. كل من يحاول تقديم أجوبة إنما يقامر. سؤال وحيد جوابه لا يحتاج تفكيرًا طويلا: من سهّل على التراكتور الوصول إلى هذه المحطة بأقل الخسائر؟ بل بدون خسائر تقريبا؟

هي فاطمة الزهراء المنصوري. بلا تردد. فاطمة الزهراء التي عادت إلى رئاسة المجلس الوطني دون اعتراض من أحد تقريبا. فاطمة الزهراء التي حَمَت برلمان الحزب على امتداد شهور من الصراع. فاطمة الزهراء التي وصفها الأمين العام الجديد بأنها “ضمير البام”. وقبل هذا وذاك، فاطمة الزهراء “المنتوج البّامي” الصرف. تلك الشابة التي ظهرت على الساحة السياسية قبل 11 عاما. تلك التي فاجأت الحلفاء قبل الخصوم في تسيير “مدينة سبعة رجال”. تلك التي كانت أول سيدة عمدة في تاريخ البلاد.

سيدة الإجماع

“لو ترشحت للأمانة العامة ما كان لعبد اللطيف وهبي أن يفوز. أنا نفسي كنت سأصوت لها”. بهذه العبارة، المُفرطة في اليقين، يلخص مصدر، مطلع على كواليس “مُحَرك التراكتور”، حكاية فاطمة الزهراء المنصوري وسط البّام.

لماذا يتحدث مصدرنا بكل هذه الوثوقية حتى وهو يدري أن العمل الحزبي حافل بالمفاجآت ولا يستسلم للمنطق؟ الجواب بسيط، يشرح المصدر، “لأنها محط إجماع”.

قد يبدو الجواب غير مقنع. ربما يحتاج إلى تبرير. إلى شرح. لكنه يلخص، بقدر كبير من الحقيقة، الوضع الذي تحظى به فاطمة الزهراء في البّام.

ما سر الإجماع إذن؟ “نقطة القوة ديْالها أنها كتسمع للجميع، وما عندهاش عداوات داخل الحزب، خصوصا القيادات، داك الشّي اللي كيخلّي بلاصتها مزيانة، بخلاف وهبي ولاّ بنشماش ولاّ غيرهم اللي ما عليهمش الإجماع اللي عليها هيَّ”، يقول مصدر بّامي آخر.

يعود مصدرنا الأول ليروي ما حدث للمنصوري مع واحد ممن اشتغلوا إلى جانبها في المجلس الوطني السابق: “عارضها بزاف وكان يهاجمها ويكتب عليها ولكن ملِّي طلعات مشات عندو قالت ليه حْنا مْسامحين، نبقاو خدامين مجموعين… هي ماشي حقودة… إنسانية”.

هذا كل ما في الأمر؟ “فاطمة الزهراء من عائلة أرستقراطية ولكن في عمقها بنت الشعب، عفوية وتلقائية والتواصل معها سهل، وسْط الحزب كنشوفوها بحال ختنا… السيدة على بال عندها ثقافة عامة كبيرة وتكوين سياسي ومحامية ناجحة وبنت الوقت”، يرد المصدر البّامي بنبرة تختزل إعجابا كبيرا، ويستدرك: “وهي سيدة نكتة، مراكشية مقطّرة”.

هذا جزء من الوصفة التي تجعل فاطمة الزهراء محط (شبه) إجماع وسط حزب كادت تعصف به التقاطبات في الشهور الأخيرة. حزب اختار مدينة الجديدة ليبدأ مرحلة جديدة.

أمينة (غير) عامة!

لم تترشح فاطمة الزهراء المنصوري للأمانة العامة. ساندت الأمين العام الجديد عبد اللطيف وهبي. مؤشرات التحالف بينهما ظهرت قبل شهور. أمر تأكد في المؤتمر. إذن، ستستمر رئيسة للمجلس الوطني. لم ينافسها على المهمة أحد باستثناء ترشيح يتيم تلاه سحب للترشيح.

رئاسة المجلس الوطني مهمة تقوم بها المنصوري منذ 2016. منذ انتخاب الأمين العام الأسبق إلياس العماري. ثم في عهد خلفه حكيم بنشماش. والآن إلى جانب عبد اللطيف وهبي. امرأة واحدة وثلاثة أمناء عامين. هذا المعطى وحده قد يكفي لإثبات أن المنصوري معادلة صعبة. أصعب مما يتخيل البعض حول سيدة رقيقة سريعة البكاء.

“الفيستة ديال المجلس الوطني صغيرة عليها بزاف ولكن ما بغاتش تترشح للأمانة العامة”، يقول مصدرنا. يؤكد آخر: “كانت محاولات لإقناعها بالترشح للأمانة العامة ولكن ما بغاتش، وما كانتش باغية تكون رئيسة للمجلس الوطني ولكن قنعوها، خصوصا عبد اللطيف وهبي والمهدي بنسعيد وصلاح أبو الغالي”، يروي مصدر آخر.

حكاية فاطمة الزهراء المنصوري مع رفض الترشيحات طويلة، فهي التي رفضت أن تكون وكيلة اللائحة الوطنية للبّام في الانتخابات التشريعية الأخيرة. لماذا يا ترى والمقعد البرلماني مضمون من على رأس اللائحة؟ “كانت عمدة ديال مراكش وهي بغات ترجع للدائرة ديالها وتجيب المقعد وفعلا نجحات”، يشرح المصدر.

رهان رابح

حتى وهي “مجرد” رئيسة للمجلس الوطني، فإن الوضع الاعتباري لفاطمة الزهراء المنصوري وسط البّام، بقياداته وقواعده، يجعلها “قديسة” الحزب. “نعم هي ضمير البّام”، يقول عبد اللطيف وهبي. ماذا يقصد وهبي بهذه العبارة؟ هل هي مجرد مجاملة من أمين عام جديد لسيدة ساندته؟ هل هي طريقته ليثبت أنه “جنتلمان”؟ لا. يبدو الأمر أعمق. كيف؟ يجيب وهبي بلا تردد ودون تفكير طويل: “فاطمة الزهراء دايْما واقفة، مبدئية، نظيفة اليد، شجاعة، امرأة حديدية، تدافع عن مواقفها، فيها جانب إنساني عميق، عاطفية وتتأثر بسرعة وحالتها الصحية رهيفة، حياتها مرسومة على أبنائها وعلى الحزب… تتماهى مع الحزب، فاطمة الزهراء هي البّام والبّام هو فاطمة الزهراء”.

هي إذن رهان رابح؟ يجيب وهبي بلا تردد: “أعول عليها كثيرا… وثقتي فيها عمياء”.

سيدة الإنقاذ

بقدر ما ينتظر أهل البام الكثير من المنصوري في المرحلة الجديدة بقدر ما يشعرون بامتنان تجاهها لما قامت به في المرحلة السابقة. مرحلة (معركة) اختلط فيه السياسي بالتنظيمي بالإنساني. هذا ما يجعلها محل عطف وتعاطف من الكثيرين. “دفعت الثمن من صحتها”، يقول مصدر مطلع، ونبرته تُحاول إخفاء الكثير من التفاصيل التي يسكن فيها الشيطان. لماذا؟ “المجلس الوطني كان فواحد الفترة صعيبة. كان بنشماش باغيه يتّجمع باش ينوض الصداع في حين أنها (المنصوري) كانت دائما ترفض عقد دورة المجلس الوطني باش ما ينوضش الصراع، وهاد الشّي وافقت عليه قيادات بزاف، منها وهبي وأخشيشن والحموتي”، يقول مصدرنا.

الخلاصة أن المنصوري لعبت دور المنقذ في مرحلة حرجة. ربما جنّبت البّام الانفجار الأكبر. كيف؟ يجيب مصدرنا: “فاطمة الزهراء كان عندها دور كبير قبل المؤتمر، هي من الأول اختلفت مع بنشماش وغابت على المكتب السياسي بحال وهبي وكانت كدّير تسيير للمجلس الوطني باش ما يكونش الصداع. الدور ديالها هي تنسق مع الجهات وخصوصا القيادات فالجهات”.

كانت فاطمة الزهراء تحكم القبضة على المجلس الوطني كمن يقبض بيديه على الجمر. قبل بنشماش عانت كثيرا على عهد إلياس العماري. حين قدم الأخير استقالته من الأمانة العامة، راهن الكثيرون على أنه ينتظر المجلس الوطني ليسمع “إلياس… لا ترحل”. لم يحدث هذا. “وحدت المجلس الوطني السابق وقاومت الضغوط… رفضت أن يُطرح موضوع البت في الاستقالة على المجلس الوطني، وفرضت انتخاب أمين عام جديد”، يروي قيادي في التراكتور.

انتهت معركة فاطمة الزهراء المنصوري مع إلياس العماري بخسائر كبيرة، لكن السيدة لم ترفع الراية البيضاء. “ملّي كتعيا كتبكي وكترجع للخدمة”، يقول مقرب منها.

لم يتوقف دور فاطمة الزهراء عند حدود التحضير للمؤتمر. في محطة الجديدة، حيث توقف التراكتور لتجميع قطع غياره، لعبت دورها في تيسير الولادة الجديدة. “حاولات تْكالْمي اللعب خصوصا بعد الصداع، وشاركت في لجنة من ستة قياديين باش يدوز الصداع ديال اليوم الأول. ولكن المهمة ديالها بالأساس كانت تنظيمية أكثر من سياسية حيت كان خاصها تشرف مع كودار على كل ما هو تنظيمي”، يقول المصدر.

المهمة لن تنتهي في الجديدة. “المنتظر منها تستمر فالعمل ديالها، لتصفية بعض البؤر، هي أكبر مدافع على النساء والشباب، ماشي غير بالهضرة، الناس كيثيقو فيها وعندها الكلمة”، يقول مصدر بّامي بنبرة الواثق، فيحكي، كمن يقدم الدليل على صحة كلامه، “قبل المؤتمر كان لقاء في منزل صلاح أبو الغالي، برلمانيين دّابزو دارت فيهم وسكتوا كاملين”.

منتوج بّامي

هي سيدة المتناقضات. من عائلة غنية عريقة لكنها تميل إلى البساطة. تخفي وراء جديتها روحًا مرحة للغاية. حديدية تداري ضعفا أنثويا بالغا. سياسية تحضن حزبها وأطفالها بعد انتهاء تجربة الزواج. فاعلة ومؤثرة لكنها غير صدامية وبعيدة عن البوليميك. “فاطمة الزهراء ما باغياش تدير مواقف باش تبان ولا تضرب فالخصوم، كان عندها خروج إعلامي واحد (برنامج في قفص الاتهام قبل أربع سنوات) يعني حتى الخصوم غادي يهاجموا ناس آخرين اللي كيدخلو معهم فصراع، مواقفها ما كتبيّنهمش بشكل علني، يعني تشتغل بشكل صامت”.. الكلام هنا لمصدرنا. ولم يكن وحيدًا في انطباعاته حول هذه النقطة.

حين غادرت المنصوري عمودية مراكش، بعد الانتخابات الجماعية الأخيرة، لم تَجُرَّ خلفها أي “فضيحة”. “هي بصمت تاريخ الحزب، تسييرها لمراكش كان شفافا، السيدة واضحة، الرؤساء اللي قبلها واللي بعدها عندهم مشاكل أما هي خلات فائض”، يقول مصدر آخر. وحين تنضاف نظافة اليد، كما قال وهبي، إلى التكوين والكاريزما، بتعبير أكثر من مصدر، تكون فاطمة الزهراء المنصوري “نموذجًا للموديل السياسي الذي جاء من أجله البام” (التعبير هنا لمصدر من الحزب)، قبل أن تنجرف التربة من تحت عجلات التراكتور ويتيه في حقل سياسي غير خصب.

مثلما بصمت البّام منذ ميلاده، يعول البّاميون على بصمة “فاطمية” في المرحلة المقبلة. وذاك ما سيكون لأن “جميع تصرفاتها صحيحة حتى لو كانت خاطئة… لأن نيتها غير سيئة”، يقول عبد اللطيف وهبي.