• رمي الأوراق النقدية في الشوارع الإيطالية.. آخر إبداعات الكذابة! 
  • التضامن ديال بصاح.. مؤسسة للتعليم الخاص في أكادير تعفي أولياء التلاميذ من وجبات شهري أبريل وماي
  • بالصور من أكادير.. البوليس ينخرط في حملة التبرع بالدم
  • الشيشة في زمن الكورونا.. شالكة يعاقب أمين حاريث
  • جائحة كورونا.. الاتحاد العام لمقاولات المغرب يطلق منصة الكترونية لمتابعة التطورات
عاجل
الأحد 19 يناير 2020 على الساعة 16:00

عبد الكريم جويطي.. الطفل الذي عاد من الموت ثلاث مرات

عبد الكريم جويطي.. الطفل الذي عاد من الموت ثلاث مرات

سعيد غيدَّى

قليلا ما يفتح الروائيون الحديث عن طفولتهم، أو نادرا ما يُسْئلون عن ذلك، أما الروائي المغربي ابن مدينة بني ملال عبد الكريم جويطي، فقد تحدث عن طفولته لأكثر من 20 دقيقة، أمام طلبة صحافيين بالمعهد المتخصص في الصحافة ومهن السمعي البصري ببني ملال، زوال أول أمس الجمعة (17 يناير).
وفتحت الصحافية الشابة إيمان زاير، شهية الكاتب الروائي عبد الكريم جويطي، حين استهلت الجلسة الحوارية، بسؤاله عن طفولته، وهو الحديث الذي جعل صاحب “كتيبة الخراب” يغوص في ذاكرة حي شعبي اسمه “كَاسْطُور”، الذي رأى فيه النور في 13 ماي سنة 1962. وبكثير من الحنين والنوستالجيا، استعاد جويطي شغب طفولته، التي قضاها في حقول زيتون جده، رفقة أطفال في سنه “كنا تانذيعوا” كما قال.
من يعرف جويطي، يعرف فيه الرجل الذي يتشبث بمدينته بني ملال، كما يتشبث طفل خائف بتلابيب قميص أمه، هذه الإصابة بالمكان، هي من جعلت منه اليوم كاتبا روائيا يحمل “داي” أنَّى ذهب، بكامل النرجسية المفتقدة في مثقفينا اليوم، “المدينة تعيرني لسانها” كما عبّر.
استطاع الطفل الذي كبر في حقول جده، أن يدخل إلى المدرسة، بفضل أمه التي كانت تسهر على كل صغيرة وكبيرة في البيت، لأن والده كان تاجرا في الأسواق، لا يعود إلى بيت أسرته المكونة من ستة إخوة وأربع أخوات، إلا مرة في الأسبوع، ويتذكر عبد الكريم وهو يتحدث إلى الطلبة الصحافيين في قاعة المعهد، “كان الوالد يأتي يوم الأحد مساء نجالسه على مائدة العشاء، ونراه يوم الاثنين، والثلاثاء ليلا، ولا نراه حتى الأحد القادم، قبل أن يشد الرحال إلى أسواق أخرى لبيع الزرابي والحلي.
من حجرة القسم، كان عبد الكريم التلميذ، يرى جده يفلح الأرض بمعوله، يسقي النعناع، ويعدل أحواضه، ويوصل الماء إلى أشجار الزيتون، يقول جويطي “أقضي يومي في المدرسة، بين الطباشير والسبورة، وبين الاستمتاع بالنظر إلى جدي في حقوله”.
يحكي كاتب رواية “المغاربة” بكثير من السخرية، كيف كُتب له أن يعيش، بعد ثلاث حوادث مميتة، أدخلته إلى غرفة الإنعاش، الأولى حين كان أخوه الأكبر مصطفى يرفعه إلى السماء ويستقبله بيديه، وحدث أن انفلت فوقع على رأسه، مما جعله يدخل الإنعاش لثلاثة أيام، حتى اعتقدت أسرته أنه قضى نحبه، والثانية عندما كان محمولا على ظهر أخته حفيظة “كانت اختي كاتشير للطيارة ف السما وما حساتش حتى رمات رجلها ف حفرة وطحت ثاني على راسي”، وحملوه ثانية إلى غرفة الإنعاش، لينجو مرة أخرى، أما المرة الثالثة التي نجا فيها صاحب “تاريخ بلاد تادلا” فكانت حينما وقع على رأسه دولاب، كان مليئا بصحون المطبخ، حين حاول تسلقه، فعجلوا به إلى المستعجلات مرة ثالثة، مغمى عليه، لكنه نجا بأعجوبة، ليواصل الحياة.
يقول عبد الكريم، إن الألم يجعل الإنسان محور عطف، هذا العطف يدفع إلى الإبداع، لذلك كانت كل هذه المحن التي مر منها الكاتب، فرصة ليكون رحى اهتمام أسرته وجيرانه، دفعته ليبدع في الكتابة، هذه الكتابة التي بدأت عند جويطي، عندما كان كاتب رسائل أمه إلى ابنتها التي تزوجت حديثا في مراكش، وهو تلميذ في صفه الرابع، فكان ينقل لها كلام أمهما، بخط يده وبتعبيره، مما اضطره إلى ترجمة حديث الوالدة من الدارجة إلى لغة عربية سليمة ومعبرة، وهكذا اكتشف الكاتب ولعه بالكتابة، بعد أن نقل عن جده، الحكايات الشفوية القديمة، التي كان يشنف بها مسامعه وهو طفل يصطاد الدوري، ويشويه في الحقول التي كانت تبدأ من باب البيت إلى أبعد مسافة.
حين وصل عبد الكريم جويطي الإعدادي، وجد نفسه يقرأ بنهم قصص جورجي زيدان، وأنهى في وقت وجيز “الأيام” للأديب طه حسين، فيما كان يخبئ في محفظته، مذكرة كان أخوه يدون فيها أشعارا قديمة وحديثة، لونها وردي، وحدث أن قلِبت الأسرة البيت رأسا على عقب، للبحث عنها، لكن دون جدوى، وبقي كاتما على هذا “الجرم” حتى الأيام الأخيرة.