• بنشماش: تصريحات وهبي بشأن إمارة المؤمنين غير لائقة ومشينة
  • مغربية في الصين: الزناقي خاويين وكلشي داير ليماسك وسدو المدينة من كاع الجوايه
  • سابقة في الحسيمة.. طاقم طبي ينجح في علاج سيدة تعاني من انسداد كلي على مستوى الحالب إثر ورم سرطاني
  • تارودانت.. السجن وغرامة مالية في حق الأستاذ معنف التلميذة 
  • 145 سدا كبيرا/ 130 سدا صغيرا/ 4 سدود جديدة هذه هذه السنة.. العثماني يتحدث عن السياسة المائية في البرلمان
عاجل
السبت 14 ديسمبر 2019 على الساعة 22:30

انتصار خوخو.. أين وصية الوداع؟

انتصار خوخو.. أين وصية الوداع؟

سعيد غيدى

“السرطان لا يقتل، إنما العلاج أحيانا من يقتل”، كان هذا كلام انتصار خوخو، شابة في ربيعها الـ29، قبل سنتين في حوار مطول أجريته معها، ضمن ملف بعنوان: “العائدات من السرطان قصص مغربيات انتصرن على الداء”، لصالح مجلة ميم العربية.

 سنتان على هذا الكلام، قبل أن تغمض انتصار عينيها إلى الأبد، داخل مصحة في مدينة الرباط، صبيحة أمس الجمعة (13 دجنبر)، مودعة بابتسامتها كل أصدقائها وصديقاتها، الذين كانوا، قبل أيام قليلة، يدعون لها بالشفاء وهي تدخل غرف التخدير والشيميو، بعد أن أعلنت لأقربائها أن معنوياتها محطمة جدا، كأنها تقول: أنا لستُ لي.

29 سنة هو عمر انتصار، الشابة الخلوقة التي لا تفارقها ابتسامتها، بقصة شعرها القصيرة، قبل أن يجبرها المرض على حلق شعرها بالكامل، حين اكتشفت أنها مصابة بالسرطان، لم تكن تخفي أي شيء عن أصدقائها ورفاقها، وكل الذين عرفوها من بعيد، أو سمعوا عن قصتها، شابة في ربيع العمر، يقتات السرطان اللعين من جسدها، وهي لتوها تفتح عينيها على الأفق الرحب لهذا الوجود، الذي تركته للأبد، قبل حتى أن يزهر ربيع السنة الجديدة، وكأنها تحمل في قلبها غصة الحياة، وغصة الربيع، وغصة العمر الذي لم تعشه طويلا، كأن مرورها معنا، كان سريعا ورتيبا، قضت حلاوته بين غرف العلاج ودعاء الناس بالشفاء، وبين الكثير من الألم الذي بقي وفيا لها حتى طوت حياتها للمرة الأخيرة.

اكتشفت انتصار، التي كانت تقيم في مكناس، المرض لأول مرة عندما انتابها شعور بوجود كرة صغيرة في ثديها الأيسر، شخصت حالتها عند الطبيب لكن ليس بشكل دقيق، الطبيب أخبرها أن الأمر عاد جدا ولا يعدو خللا في الهرمونات، وصف لها دواء أخذته لمدة شهر، كي تعود للتشخيص من جديد.

لم تقتنع انتصار بكلام الطبيب، فتوجهت إلى الدار البيضاء عملا بتوصيات صديقة مقربة لها، ثم باشرت الفحوصات اللازمة في عيادة بروفيسور متخصص، وحتى تلك اللحظة تقول انتصار: “لم يظهر بعد أي شيء يقنع فضولي”، لكن الطبيب اقترح عليها أن نجري عملية جراحية، “كنت مرتابة جدا وخائفة أن يتغير شكل ثديي”، تحكي انتصار التي اقتنعت أخيرا، بعد أن بدت لها الحياة، حينها؛ أهم من أي شيء آخر.

لم يبتر ثدي انتصار بعد العملية، أحست بفرح عارم لم تكن تقوى على تصوره، وهي تحكي لي عن وقع ذلك على نفسيتها، لكنها عندما عادت إلى البيت وجدته غاصا بالأصدقاء والأهل، وإحساس ما كان يخبرها أن هناك شيئا ما لا يجري على طبيعته، “أخبروني حينها أني سأخضع لحصص الأشعة فقط، رغم أني قرأت على النت أن الأشعة تأتي دائما بعد العلاج الكيميائي، لا أحد يخبرني بما يتحتم عليّ فعله وأهلي يرفضون تماما أن أغادر البيت إلى مكناس حيث أدرس”.

تقول انتصار: “اتصلت بصديقتي وسألتها سؤالا واحدا: هل أنا مصابة بسرطان الثدي، وردت عليّ بجملة واحدة مرتبة: نعم أنت كذلك. كانت صدمة كبيرة بالنسبة إلي، لم أكن أفكر لا في صعوبة العلاج ولا تبعاته، فكرت حينها فقط في شعري الذي سأفقده، فكرت كيف سأخرج، كيف سأقابل الناس وكيف ستستمر حياتي”.

دخلت انتصار أزمة اكتئاب، لكنها في النهاية قررت مواجهة مصيرها والذهاب إلى الطبيب المعالج لتفهم حالتها جيدا، والذي أرشدها بدوره إلى الطبيب المكلف بالعلاج الكيميائي، “كانت مرحلة صعبة جدا، لم أملك خيارا آخر غير العلاج، واخترت الحل الوحيد الذي املكه، تعالجت لمدة ستة أشهر، يعني ستة أشهر من المعاناة النفسية والمادية”، تقول انتصار.

مكثت انتصار داخل غرفتها، مكتئبة متذمرة، لا هاتف ولا اتصال ولا حديث عابر حتى، منزوية بين أربعة جدران، غير مصدقة هذا الخبيث اللعين الذي تسلل إلى بذرة الحياة فيها، كوحش مفترس لا يرحم، لم تصدق أن خصلات شعرها تسقط بتلك الصورة المؤلمة.

 تحكي انتصار بالكثير من المرارة عن هذا الموقف: “حصتي الأولى كانت صعبة ومرهقة، دون أكل ولا شراب ولا نوم، وكثير من الدوار والغثيان، لحظتها فقط استوعب عقلي الباطني أني فعلا مريضة بالسرطان، سافرت لأرتاح قليلا ثم عدت لإتمام العلاج، ومع الحصة الثانية والثالثة بدأت أمسك خصلات كثيرة من شعري بين يدي، كل يوم يزداد السقوط بشكل مضاعف”. 

وتضيف: “ذهبت إلى الصالون لأقنع نفسي فقط أني أنا من قص شعري، وأنه لم يسقط بتبعات العلاج. إحساس يصعب تفسيره، أن تحلق شعرك كله مضطرا، يختلف تماما عن رغبتنا الدائمة كنساء في تغيير تسريحات الشعر”.

خرجت انتصار لأول مرة في مظاهرات فاتح ماي، ولأول مرة بشعر حليق عن آخره، يخيل إليها أنها محط أنظار الجميع، وأن منظرها مثير للشك والريبة، رغم كل هذا كانت تُظهر قوة لم تعهدها حتى في نفسها، متعايشة مع كل ما يحدث لها ومهونة عليها الأمر، وعلى من حولها، “محاولة أن أداري كل الجروح التي تنزف بداخلي، إذ أني لم أكن أستطيع النظر حتى إلى المرآة، الوجه التي تعكسه بشع ولا أعرفه”، كما عبرت عن قصتها.

حاولت جاهدة أن تُفرغ انطباعات الناس من رأسها، وسطرت هدفا واحدا وحيدا، هو أن تُشفى، وأن تكون مثال المرأة التي هزمت المرض، تسلحت بكثير من الإرادة التي ساعدتها على تجاوز المرحلة بنفسية مرتاحة ومعنويات مرتفعة، انتشرت تبعاتها بين محيطها أيضا والذي أصبح يتعامل معها ومع حالتها بأريحية أكبر. بعد مرحلة التقبل والتعايش مع المرض، قررت انتصار أن تضع فوق رأسها شعرا اصطناعيا، جالت محلات كثيرة وجربت أنواعا عدة، خمنت بعدها أنها شابة حداثية تؤمن بكل مبادئ الحداثة، “والأَوْلى أن تتجلى مبادئي التي أتسلح بها حتى في المرض، عدلت عن فكرة “الباروكة” وتقبلت شكلي الجديد، دون شعر”.

لم تعد أعضاء انتصار ذا أهمية في جسد مثخن، تعالجه بالمهدئات والمسكنات، وبالكثير من الأمل، بل كانت تحاول أن تبقى حية قدر الزمن، وتقول: “في بداية المرض كانت أولوياتي محصورة في شعري وألا أبتر ثديي، بعد رحلة المرض أصبحت حريصة على أن أعيش فقط، أن أعيش بصحة جيدة متشبثة بجمال الحياة”.

لكن انتصار رحلت تاركة 29 سنة من الألم والأمل، تاركة الكل مصدوما بموت شابة لم تكن ابتسامة الحياة تفارق وجهها، رغم ندوب المرض على نضارتها، رحلت انتصار دون أن تكتب وصية وداع، تليق بنا، نحن الذين بقينا متشبثين بزهرتها في يدنا، كأننا لا نريد أن نصدق أن انتصار دخلت في السماء الفسيحة، دون أدوية ودون مواعيد أطباء.