• بالصور من كازا.. النيران تلتهم سوق المسيرة
  • قيادي في الأحرار يرد على نائب العثماني: وجودنا في الحكومة ليس صدقة من حزبك… والبادئ أظلم!
  • رجعات مجهدة.. إطلاق سراح العارضة “نهيلة باربي”
  • في مدن كثيرة.. سائقو الحافلات دايرين إضراب
  • يربط بين كازا والمحمدية.. إلغاء خط للنقل يغضب طلبة جامعة الحسن الثاني (صور)
عاجل
الخميس 22 مارس 2018 على الساعة 13:10

جرادة.. من “الذهب الأسود” إلى “الرغيف الأسود”!!

جرادة.. من “الذهب الأسود” إلى “الرغيف الأسود”!!

الأناضول

مدينة “الرغيف الأسود”
يطلق على جرادة مدينة “الرغيف الأسود”، بسبب ارتباط عمل سكانها بالفحم الأسود، ولكن أيضا في إشارة قاتمة إلى الوفيات الناجمة عادة عن انهيار بعض المناجم العشوائية.
ففي هذه المدينة، تعتبر الوفيات جراء انهيار تراب المنجم على العمال، أو تدفّق سيول المياه الجوفية، من الأخبار الروتينية التي تغلف يوميات السكان بالكثير من الحزن والاستياء أيضا.
ومع ذلك، يتشبث عمال المناجم بعملهم المحفوف بالمخاطر، بحثا عن لقمة عيش تؤمّن احتياجاتهم.
ومع أن من يزور المدينة لأول مرة لن يتبادر لذهنه أبدا أنها تعاني أي نوع من الفقر أو “التهميش”، كما يقول عدد من النشطاء فيها، إلا أن من يقترب من سكانها، ويلامس تفاصيل حياتهم، يدرك السبب الكامن وراء إصرارهم على النبش في باطن الأرض في مناجم عشوائية حظرت السلطات استغلالها منذ تسعينيات القرن الماضي.
فغياب بديل يوفر للسكان مصدر دخل، لم يترك أمامهم من خيار سوى المخاطرة بحياتهم بحثا عن رزق محفوف بالمخاطر، حتى غدت المدينة مرتبطة بالفحم وبسواده المطبوع في بعض أحيائها، وكأنها ترسم صورة قاتمة لمكان يأبى التخلي عن سواد يلخص سبب وجوده.
فمن “الذهب الأسود”، أو هكذا كان سكان جرادة يسمّون الفحم، باعتباره من الموارد المنجمية الثمينة، زمن كان نشاط التنقيب عن الفحم خاضع شركة “مفاحم المغرب” التي أغلقت عام 1998، تحولت جرادة إلى مدينة “الرغيف الأسود”.
سواد انتقل بسكان المدينة من الاكتفاء إلى الحداد، على خلفية تواتر حوادث مصرع أبنائها بالمناجم العشوائية.

بداية الكابوس

أدى قرار إغلاق شركة استخراج الفحم من مناجم المدينة عام 1998، إلى تسريح نحو 5000 عامل، ما اضطر شباب المنطقة للعمل في ظروف غير آمنة، خصوصا أن الشركة كانت، آنذاك، توفر عددا كبيرا من فرص العمل.
ومع أن الشركة أغلقت أبوابها عام 1998، إلا أن بداية الكابوس كانت عاما قبل ذلك، وتحديدا في 1997، حين لم يتسلم العمال أجورهم، ما فجّر احتجاجات دامية.
وبتفاقم الاحتجاجات، تحول حلم مناجم الفحم إلى كابوس خلق فراغا قاتلا بالمدينة، ما دفع وفدا وزاريا إلى زيارة المدينة، ليدخل في حوار مع ممثلي السكان والنقابات العمالية، قبل الإعلان عن قرار إغلاق شركة “مفاحم المغرب”.
السلطات المغربية أرجعت القرار، في حينه، إلى نضوب الفحم الحجري، وانخفاض ثمنه في الأسواق العالمية، وتعهدت بإيجاد حلول اقتصادية، بعد اعتصامات واحتجاجات عمالية صاخبة.
وبإغلاق الشركة التي كانت تعتبر القلب النابض لـ”جرادة”، تراجع عدد سكان المدينة من 117 ألف نسمة في 1994 إلى 105 آلاف في 2004.

أشباح قاتمة
مع فجر كلّ يوم، وتحت جناح ظلام يأبى الرحيل، يتوجه المغربي علي حمو، إلى مناجم الفحم العشوائية، في مدينته جرادة.
شبح قاتم يتهادى بخطوات مسرعة، محمّلا بمعدات بسيطة تعجز عن حمايته وهو يجتاز مدخل المنجم متجها نحو أعماق الأرض.
منجم عشوائي يتراوح عمقه من 40 إلى 50 مترا، يسبر علي أغواره بحثا عن فحم يقوم بجمعه وعرضه إثر ذلك للبيع، سعيا وراء دراهم معدودة.
ومع أن رحلاته اليومية كانت ولاتزال بذات المخاطر العالية التي تهدد حياته في كل حين، إلا أن عمله بات أكثر تعقيدا على خلفية الاحتجاجات المتقطعة التي تهز مدينته منذ نحو 3 أشهر.
علي حمو قال إنه قضى حياته في السندريات، رغم كل المخاطر المحدقة بنشاط مماثل، مشيرا إلى أنه من الصعب عليه التخلي عن عمله الذي قضى في ممارسته عقدين من الزمن، دون تأمين صحي، وفي غياب أدنى معدات السلامة، وذلك في ظل عدم وجود بديل”.
بدوره، اعتبر محمد القوتي، وهو عامل في مناجم الفحم بالمدينة أيضا، أن كل ما يعرفه هو استخراج الفحم، وهو يقوم بهذا العمل منذ 27 عاما.
وقال: “لا بديل أمامي حاليا، ولا أعرف شيئا آخر أقوم به غير استخراج الفحم”، مشيرا إلى أنّ “العديد من شباب المدينة لقوا مصرعهم في مناجم الفحم”.

500 مليون درهم لتمويل 100 مشروع

مدينة يقول عدد من سكانها ونشطائها إنها لا تطرح بديلا يغنيهم عن العمل في المناجم العشوائية، فيما قال مسؤول في المدينة إن “الحكومة أطلقت العديد من المشاريع مؤخرا، وهو ما يبيّن اهتمام الحكومة بتنمية جرادة”.
وأضاف المسؤول، الذي رفض الكشف عن اسمه، أن “الشباب المحتجين يريدون أعمالا سهلة وفي المتناول، ولا يمكن للحكومة أن تستجيب لجميع مطالبهم”.
والخميس الماضي، أكدت الحكومة المغربية التزامها بتحقيق بالمطالب “المعقولة” التي يطالب بها المحتجون بجرادة، مشددة على أن الاحتجاج مكفول في البلاد “لكن في إطار القانون”.
وأفاد بيان حكومي أن السلطات تعمل على إيجاد فرص عمل لأكثر من 280 شخصا، وتشغيل أكثر 1200 في أعمال موسمية أو مؤسسات تجارية.
كما رصدت الحكومة 500 مليون درهم لتمويل 100 مشروع بالمنطقة، في إطار محاربة الفوارق بين المناطق، إضافة إلى التعهد بإحداث منطقة صناعية (مركب صناعي) في جرادة.
غير أن المدينة، ورغم معاناتها التي تسعى سلطات المملكة لتخفيفها عبر تدابير مختلفة، مازالت تحتفظ بأمل استعادة أمجادها الماضية، حين كانت مدينة “الذهب الأسود”، كما لازالت مسكونة بهاجس أن يتحوّل “رغيفها الأسود” إلى “رغيف أبيض”، يطرح بديلا ناجعا، ويبدد ظلمة يومياتها.